ما تُراه ليس الحقيقة: التضليل الإعلامي الإسرائيلي والأمريكي في حرب غزة‎

إيهاب مقبل

لم تعد الحروب في العصر الحديث تُخاض في الميدان العسكري وحده، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر الفضاء الإعلامي، حيث تلعب الرواية والخطاب دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي العام وتوجيه المواقف السياسية والأخلاقية. وتُعدّ حرب غزة نموذجًا واضحًا لهذا النوع من الحروب، إذ برز الإعلام الإسرائيلي والأمريكي كفاعلين رئيسيين في إعادة صياغة الأحداث، من خلال توظيف منهجي لأساليب التضليل المباشر، والتضليل غير المباشر، والتحكم في إظهار وإخفاء المعلومات، بما يخدم موازين القوة السياسية والعسكرية، ويؤثر بعمق في الرأي العام المحلي والعالمي.

أولًا: التضليل الإعلامي المباشر
يقوم التضليل المباشر على نشر معلومات غير دقيقة أو مشوهة بشكل واضح، أو تقديم ادعاءات غير مثبتة بوصفها حقائق نهائية، مستفيدًا من سرعة تداول الأخبار في أوقات الحرب.

1. في الإعلام الإسرائيلي: يعتمد الإعلام الإسرائيلي في كثير من الأحيان على نقل الرواية العسكرية الرسمية دون مساءلة حقيقية، خاصة في المراحل الأولى من التصعيد. على سبيل المثال النفي المتكرر لاستهداف المدنيين، مع التأكيد على أن جميع العمليات “دقيقة ومحددة الأهداف”، رغم توثيق سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين لاحقًا. اتهام الضحايا الفلسطينيين باستخدامهم “كدروع بشرية” دون تقديم أدلة مستقلة، وهو ما ينقل المسؤولية من الفاعل العسكري إلى الضحية نفسها. عرض مقاطع مصورة منتقاة بعناية تُظهر دقة العمليات العسكرية، مع تغييب صور الدمار اللاحق الذي يلحق بالأحياء السكنية.

2. في الإعلام الأمريكي: يتجلى التضليل المباشر في التبني السريع للرواية الإسرائيلية وتقديمها بوصفها المصدر الأكثر موثوقية. على سبيل المثال نقل بيانات الجيش الإسرائيلي حرفيًا حول استهداف “أهداف عسكرية”، ثم التعامل مع أي رواية مخالفة بوصفها “ادعاءات”. التشكيك في أرقام الضحايا الصادرة عن جهات طبية أو إنسانية في غزة، دون إخضاع الرواية الإسرائيلية للمعايير نفسها. استخدام صياغات لغوية عامة مثل “سقوط قتلى”، دون توضيح كونهم مدنيين، ما يقلل من الأثر الإنساني للخبر.

ثانيًا: التضليل الإعلامي غير المباشر
يُعدّ التضليل غير المباشر أخطر من التضليل المباشر، لأنه لا يعتمد على الكذب الصريح، بل على إعادة صياغة الواقع لغويًا وسرديًا بطريقة توجه فهم الجمهور للأحداث.

1. في الإعلام الإسرائيلي: استخدام مصطلحات مثل “تحييد أهداف” و”إزالة تهديدات” بدلًا من “قصف” أو “قتل”، مما يُفرغ الحدث من بعده الإنساني. تقديم الحرب ضمن إطار ثابت هو “الدفاع عن النفس”، دون مناقشة السياق القانوني أو السياسي للاحتلال والحصار. استضافة محللين عسكريين وأمنيين من اتجاه واحد، مع تهميش الأصوات الحقوقية أو الأكاديمية الناقدة.

2. في الإعلام الأمريكي: هيمنة إطار “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” على التغطية، ليصبح نقطة الانطلاق لأي نقاش. استخدام توصيفات مثل “نزاع” أو “جولة عنف” بدلًا من “حرب غير متكافئة”، ما يخلق وهم التوازن بين الطرفين. توجيه الأسئلة الإعلامية نحو كيفية ضمان أمن إسرائيل، بدلًا من مساءلة استخدام القوة أو البحث في حماية المدنيين.

ثالثًا: إظهار وإخفاء المعلومات
لا يقتصر التضليل على ما يُقال، بل يشمل أيضًا ما يتم تجاهله أو تهميشه، وهو من أخطر أدوات السيطرة على الرواية الإعلامية.

1. في الإعلام الإسرائيلي: إبراز معاناة المجتمع الإسرائيلي (الخوف، الملاجئ، الصدمة النفسية) بصورة موسعة، مقابل اختزال معاناة سكان غزة في أرقام مجردة. إخفاء السياق التاريخي للصراع، مثل الحصار المستمر على غزة منذ سنوات، ما يجعل الأحداث تبدو وكأنها معزولة عن جذورها. تهميش أو التشكيك في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية التي توثق الانتهاكات.

2. في الإعلام الأمريكي: التركيز على القصص الإنسانية الإسرائيلية، مقابل تقديم المعاناة الفلسطينية بصورة عابرة أو تقنية. تهميش دور الدعم السياسي والعسكري الأمريكي لإسرائيل، وعزل الحرب عن بعدها الدولي. وضع التقارير الحقوقية في نهاية التغطية أو عرضها بصيغة تشكيكية، مقابل منح مساحة واسعة للتصريحات الرسمية.

رابعًا: نقاط الالتقاء والاختلاف بين الإعلام الإسرائيلي والأمريكي
رغم اختلاف السياقين السياسيين والجغرافيين لكل من الإعلام الإسرائيلي والإعلام الأمريكي، فإن كليهما يشترك في مجموعة من السمات البنيوية في تغطيتهما لحرب غزة. إذ يتبنى الإعلامان بشكل واضح الرواية الأمنية والعسكرية بوصفها الإطار التفسيري الأساسي للأحداث، حيث تُقدَّم العمليات العسكرية كإجراءات دفاعية، بينما يتم تهميش النقاش الأخلاقي والقانوني المتعلق باستخدام القوة.

كما يشترك الإعلامان في تهميش البعد الإنساني الفلسطيني، إذ تُختزل معاناة المدنيين في غزة في أرقام وإحصاءات، دون منحهم مساحة كافية لسرد تجاربهم اليومية تحت القصف والحصار، مقابل إبراز التجربة الإنسانية للطرف الإسرائيلي. ويؤدي هذا الاختلال إلى خلق تعاطف انتقائي لدى الجمهور.

إضافة إلى ذلك، يُقدَّم الصراع في كلا الإعلامين بصورة مجزّأة ومنزوعة السياق التاريخي والسياسي، حيث تُعرض الأحداث بمعزل عن جذورها الممتدة، مثل الاحتلال والحصار طويل الأمد، ما يجعل العنف يبدو وكأنه حدث طارئ لا نتيجة بنية صراع مستمرة.

غير أن الإعلام الأمريكي يلعب دورًا أخطر وأكثر تأثيرًا، لأنه يُقدَّم عالميًا بوصفه إعلامًا “محايدًا” و”مهنيًا”، الأمر الذي يمنح روايته شرعية وانتشارًا أوسع، خاصة عند إعادة إنتاجها من قبل وسائل إعلام دولية أخرى، وهو ما يرسّخ رواية منحازة على أنها سردية موضوعية.

الخاتمة
يتضح من هذا التحليل أن الإعلام الإسرائيلي والأمريكي لا يعملان كوسطاء محايدين في تغطية حرب غزة، بل يوظفان بشكل ممنهج استراتيجيات التضليل المباشر، والتضليل غير المباشر، وإظهار وإخفاء المعلومات لإعادة تشكيل الواقع بما يخدم موازين القوة السياسية والعسكرية. وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى وعي إعلامي نقدي لدى الجمهور، يقوم على تحليل اللغة، وفهم السياق، وتنويع مصادر المعلومات، والسؤال عمّا غاب بقدر السؤال عمّا حَضر. فالحقيقة في زمن الحروب غالبًا ما تكون أول الضحايا، وحمايتها مسؤولية معرفية وأخلاقية مشتركة.

انتهى