بقلم؛ الكاتب والباحث حسين شكران العقيلي
المقدمة
تظل قضية الانتحار واحدة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في مجتمعاتنا، فهي ليست مجرد فعل فردي ينتهي بالموت، بل انعكاس لأزمة وجودية عميقة تتشابك فيها العوامل النفسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية. إنّها لحظة يأس قصوى، لكنها في الوقت نفسه مرآة تكشف عن خلل في منظومة القيم والدعم التي يفترض أن تحيط بالإنسان منذ طفولته وحتى شبابه. ومن هنا جاء كتابي ( حياة تُدان بعد الموت في مفهوم الانتحار دراسة اجتماعية فقهية قانونية مقارنة) ليكون محاولة جادة لقراءة هذه الظاهرة قراءة مزدوجة، تجمع بين الفقه الديني الذي يضع حدوداً ومعايير لقدسية الحياة، وبين التحليل الاجتماعي والنفسي الذي يسعى إلى فهم الأسباب والدوافع، وصولاً إلى اقتراح حلول عملية تعيد للشباب ثقتهم بذواتهم وبالمستقبل.
#نص_المقال
لقد حاولت في هذا الكتاب أن أبتعد عن الطرح التقليدي الذي يكتفي بإدانة المنتحر أو وصفه بالضعف، فذلك لا يزيد المشكلة إلا تعقيداً. بل سعيت إلى أن أضع القارئ أمام صورة شاملة، تبدأ من الجذور النفسية التي تتشكل في بيئة مضطربة، مروراً بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تضع الشباب في مواجهة مستقبل غامض، وصولاً إلى الأثر الثقافي والديني الذي قد يُساء فهمه أحياناً فيزيد من عزلة الفرد بدلاً من احتوائه.
إنّ الانتحار ليس قراراً لحظياً، بل هو تراكم طويل من الإحباطات والخيبات، ومن هنا كان لا بد أن نقرأه كظاهرة اجتماعية تحتاج إلى معالجة جماعية، لا فردية فقط. فالمجتمع الذي يترك أبناءه يواجهون مصيرهم وحدهم، دون أن يمد لهم يد العون، هو مجتمع يشارك في الجريمة بصمته وتجاهله. لذلك دعوت في الكتاب إلى بناء منظومة دعم متكاملة، تبدأ من الأسرة التي يجب أن تكون الحضن الأول، مروراً بالمدرسة التي ينبغي أن تغرس قيم الأمل والقدرة على مواجهة التحديات، وصولاً إلى المؤسسات الدينية والثقافية التي يقع على عاتقها واجب التوجيه والتربية.
كما تناولت الجانب الفقهي والديني للانتحار، ليس من باب الإدانة وحدها، بل من باب التذكير بأن الحياة أمانة إلهية، وأن الحفاظ عليها واجب شرعي وأخلاقي. لكنني في الوقت نفسه شددت على أن الخطاب الديني يجب أن يكون رحيماً واحتوائياً، يفتح أبواب الأمل أمام الشباب، ويمنحهم شعوراً بأنهم جزء من مشروع إنساني أكبر، لا أن يزيد من شعورهم بالذنب واليأس.
لقد سعيت أن يكون الكتاب رسالة تربوية قبل أن يكون دراسة نظرية، فهو يطرح حلولاً عملية مثل تعزيز برامج الدعم النفسي، وتفعيل دور المؤسسات الاجتماعية، وإعادة الاعتبار لقيمة الحوار داخل الأسرة والمجتمع. إنّها دعوة إلى أن نعيد بناء الجسور بين الفرد والجماعة، بين الإنسان والحياة، حتى لا تتحول لحظة الانتحار إلى قدر محتوم، بل إلى جرس إنذار يدفعنا جميعاً إلى مراجعة أنفسنا.
الخاتمة
إنّ كتاب ( حياة تُدان بعد الموت في مفهوم الانتحار دراسة اجتماعية فقهية قانونية مقارنة) ليس مجرد بحث في ظاهرة مؤلمة، بل هو نداء إنساني يطالبنا بأن نعيد النظر في علاقتنا بالحياة والموت، وأن نواجه الانتحار لا بالتجاهل أو الإدانة وحدها، بل بالفهم والمعالجة والاحتواء. فالمنتحر ليس عدواً للمجتمع، بل ضحية لظروفه، وصوتاً صامتاً يصرخ في وجداننا بأن هناك خللاً يحتاج إلى إصلاح.
أردت من خلال هذا العمل أن أضع لبنة في مشروع ثقافي واجتماعي يهدف إلى حماية شبابنا من الانكسار، وإلى إعادة الاعتبار لقدسية الحياة كأمانة إلهية وحق إنساني لا يجوز التفريط فيه. إنّها مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند حدود الدولة، بل تمتد لتشمل كل مؤسسة وكل بيت وكل قلب قادر على أن يمنح الأمل بدلاً من اليأس.
حين تُدان الحياة بعد الموت: قراءة في كتاب حسين شكران العقيلي