أخطر مؤسسة نقدية تدار بعقلية الغنيمة والمحاصصة الطائفية ؟ فلماذا لا يولد لنا “جيروم باول” في العراق أو حتى شبيه له؟

صباح البغدادي

ما تزال تلقي بظلالها وتفاعلها الخطير من على جميع مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية الأمريكية والعالمية وتتفاعل أحداثها كالنار في الهشيم وما سيكون عليها تداعيتها على أسواق البورصة الأمريكية وجميع مختلف أسواق دول العالم خلال الساعات القادمة والأيام المقبلة ومع فيديو ظهر فيه رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي جيروم باول، اليوم الاثنين 12 ك2 2026 ، قال فيه إنه تلقى استدعاء من وزارة العدل قد يفضي إلى توجيه تهم جنائية، معتبرا أن الخطوة تندرج في إطار حملة ضغط عليه. وخرج باول في فيديو -نشر على الحساب الرسمي لمجلس محافظي نظام الاحتياطي الفدرالي عبر منصة إكس- بعنوان: “رسالة فيديو من رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي”وأكد بول أنه يكن “احتراما عميقا لسيادة القانون والمساءلة في ديمقراطيتنا، ولا أحد –وبالتأكيد ليس رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي– فوق القانون”وأضاف أن “هذا التهديد الجديد لا يتعلق بشهادتي في يونيو/حزيران الماضي، ولا يتعلق بتجديد مباني الاحتياطي الفدرالي، كما أنه لا يتعلق بالدور الرقابي للكونغرس، فقد بذل الاحتياطي الفدرالي، من خلال الشهادات والإفصاحات العامة الأخرى، كل جهد ممكن لإبقاء الكونغرس على اطلاع بمشروع التجديد، تلك مجرد ذرائع”. واختتم كلامه قائلا إنه “في كل حالة، قمت بأداء واجباتي دون خوف أو محاباة سياسية، مركزا فقط على تفويضنا المتمثل في استقرار الأسعار وتحقيق الحد الأقصى من التوظيف. وإن الخدمة العامة تتطلب أحيانا الصمود في وجه التهديدات، وسأستمر في أداء الوظيفة التي ثبتني فيها مجلس الشيوخ، بنزاهة والتزام بخدمة الشعب الأميركي”.

ولكن السؤال المحوري المهم الذي نحن بصدد طرحه كحالة ضرورية وملحة كعراقيين ومن عنوان المقال وبما معناه :” لماذا تنتج بعض الدول مسؤولين مستقلين أقوياء، بينما تنتج دول أخرى مسؤولين تابعين ضعفاء”؟

أين يمكن الخلل ؟فهل جوهر الفرق ليس “جيروم باول” كشخص ولكن الفرق الحقيقي ليس في شجاعة الفرد فقط، بل في النظام الذي يحميه أو يبتلعه. جيروم باول نتاج منظومة مؤسساتية، بينما محافظ البنك المركزي العراقي نتاج منظومة محاصصة طائفية مقيتة .

ليست أزمة العراق أزمة نفط، ولا أزمة موارد طبيعية وزراعية وصناعية ، ولا حتى أزمة تشريعات وقوانين .
إنها أزمة دولة ترفض أن تكون دولة، وتصرّ على إدارة أخطر مؤسساتها بعقلية الغنيمة، لا بعقلية السيادة.

في الدول التي تُحترم فيها المؤسسات، يُعدّ البنك المركزي خط الدفاع الأخير عن الاقتصاد، ويُحصَّن من نزوات السياسيين، ويُدار بالكفاءة والعلم والخبرة.
أما في العراق، فقد تحوّل البنك المركزي –رغم كل النصوص الدستورية– إلى ساحة نفوذ، ومنصب يُوزَّع وفق الولاء، لا وفق الكفاءة، ووسيلة لتسكين الأزمات السياسية على حساب الاستقرار النقدي.

الفرق بين الولايات المتحدة والعراق لا يُختصر بشخص جيروم باول، بل يُختصر بنظام يحمي الاستقلال الحقيقي، لا الاستقلال الورقي.
هناك، رئيس الاحتياطي الفدرالي يمكن أن يختلف مع الرئيس، بل ويتحدّاه، لأن القانون يحميه، والسوق يسانده، والرأي العام يدرك أن العبث بالسياسة النقدية جريمة بحق الأمة.
هنا، أي محافظ بنك مركزي يعرف أن الاستقلال الحقيقي تهمة، وأن الكفاءة خطر، وأن البقاء في المنصب أهم من حماية العملة. ففي العراق، لا يُقال المسؤول لأنه فشل في كبح التضخم، بل يُقال إذا تجرّأ على قول “لا”.
ولا يُكافأ لأنه حافظ على الاحتياطي، بل يُستبدل إذا رفض تحويل البنك المركزي إلى صرّاف آلي بيد السلطة. والنتيجة معروفة ولا تحتاج إلى عبقرية اقتصادية: دولار مضطرب، تضخم مزمن، سوق سوداء، تهريب عملة،
ومواطن يدفع ثمن كل قرار مرتجل لم يُتخذ لحمايته، بل لحماية توازنات سياسية هشة.

المأساة الأكبر ليست في سوء الإدارة فحسب، بل في تطبيع الفشل. وأن يصبح من الطبيعي أن يتولى منصبًا نقديًا سياديًا شخص لا يمتلك تأهيلًا أكاديميًا رصينًا، ولا خبرة مصرفية حقيقية، ولا رؤية نقدية واضحة، فقط لأنه “مقرّب” أو “مضمون الولاء”. هنا لا نتحدث عن خطأ إداري، بل عن جريمة مؤسساتية بحق الدولة والمجتمع. الاستقلال الحقيقي للبنك المركزي ليس ترفًا نخبويًا، ولا مطلبًا نظريًا، بل شرط بقاء.
بدونه، لا يمكن ضبط التضخم، ولا حماية العملة، ولا جذب الاستثمار، ولا حتى الحفاظ على الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية. ولكن الاستقلال الحقيقي له ثمن، وثمنه أن تخسر الأحزاب أحد أهم مصادر النفوذ غير المعلنة، وأن تُغلق بوابات المضاربة، وأن يُجفَّف التمويل القذر الذي يعيش على فوضى الدولار. ولهذا يُحارَب الاستقلال. ولهذا يُشوَّه كل من يطالب به. ولهذا يُفضَّل المحافظ الضعيف على المسؤول القوي. الدول التي تحترم نفسها تفصل بين السياسة والعملة. أما الدول الفاشلة، فتخلطهما… ثم تتساءل لماذا ينهار الدينار ويزداد الفقر. لن يستقر الاقتصاد العراقي ما دام البنك المركزي رهينة.
ولن تُبنى دولة ما دامت الكفاءة عدوًا، والاستقلال خطرًا، والولاء هو المؤهل الأعلى.
هذه ليست أزمة بنك مركزي. وهذه أزمة دولة لم تحسم بعد إن كانت تريد مؤسسات تحمي الشعب… أم مناصب تحمي الفاسدين.

نحن في العراق لا نطالب بالمستحيل، ولا نحلم بولادة نسخة طبق الأصل من جيروم باول. ندرك أن بعض التمنيات لا تولد في أرضٍ أُنهكت بالمحاصصة والفساد. لكن هل أصبح من المحرّم أن نطالب بشبيه له؟
بمسؤول يفهم معنى الاستقلال، ويملك حدًّا أدنى من الكفاءة، ويجرؤ على حماية العملة لا حماية المنصب؟ انظروا إلى مأساة المواطن العراقي، وستفهمون عمق الجريمة. بينما يتسابق العالم نحو الذكاء الاصطناعي، والثورات التقنية، والاقتصاد المعرفي، يُدفَع المواطن في العراق قسرًا إلى الوراء… لا يفكر بالمستقبل، ولا بالعلم، ولا بالتطور، بل ينظر كل صباح إلى رغيف الخبز، وسعر الدولار، وقدرته على البقاء حيًا حتى نهاية اليوم او الشهر على ابعد تقدير . وهذه ليست بساطة في الطموح… هذه إدانة لنظام كامل نجح في تجريد الإنسان من حقه في الحلم. أن تصبح أكبر أمنيات المواطن هي تأمين قوته اليومي،بينما تُدار أخطر المؤسسات المالية بعقلية الولاء والغنيمة،فتلك هي الطامة الكبرى، وتلك هي القسمة الضيزى التي لا يمكن تبريرها ولا السكوت عنها. فلسنا شعبًا عاجزًا، بل شعب تُدار شؤونه بعقول لا تؤمن بالدولة، ولا بالكفاءة، ولا بالمستقبل. فهل من متعظ؟
أم أن الانهيار وحده هو اللغة التي ما زالت مفهومة؟
نحن في العراق لا نطالب بمعجزة، ولا ننتظر أن يُبعث لنا جيروم باول من واشنطن. نعرف أن هذا النظام العقيم لا يُنجب نماذج عالمية.
لكن أي انحطاط هذا الذي يجعلنا نتوسّل شبيهًا له؟ وأي مهزلة سياسية أوصلت شعبًا كاملًا إلى أن يخفض سقف أحلامه إلى هذا الحد؟ المشكلة لم تعد في الأشخاص، بل في نظام سياسي بُني خصيصًا ليطرد الكفاءة، ويكافئ الرداءة، ويعتبر الاستقلال خطرًا يجب سحقه.نظام لا يرى في البنك المركزي مؤسسة سيادية، بل خزنة محتملة، وأداة تهدئة، وورقة تفاوض بين أحزاب لا تؤمن بالدولة أصلًا. فهذا النظام هو من حوّل المواطن العراقي من إنسان يفكر بالمستقبل إلى كائنٍ محاصر بلقمة الخبز. وبينما العالم يتقدّم بسرعة الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والثورة العلمية، ويُعاد المواطن العراقي قسرًا إلى معركة البقاء اليومية:
دولار يرتفع، دخل ينهار، أسعار تلتهم ما تبقّى من كرامته. وهذه ليست صدفة، وليست سوء حظ، وليست أزمة عابرة.هذه سياسة متعمّدة.سياسة ترى في المواطن رقمًا، وفي الفقر وسيلة ضبط، وفي الجهل ضمانة بقاء. وأن يصبح أقصى طموح العراقي هو تأمين قوت يومه،وبينما تُسلَّم أخطر المناصب المالية لأشخاص بلا كفاءة ولا تأهيل ولا رؤية،فهذه ليست فقط طامة كبرى،بل جريمة دولة بحق شعبها. والدول تُقاس بمؤسساتها،والعراق اليوم يُدار بلا مؤسسات حقيقية، بل بشبكات ولاء، وتوازنات خوف، ونظام يخشى المسؤول القوي أكثر مما يخشى الانهيار. وهذا النظام لا يريد محافظ بنك مركزي مستقلًا،
ولا قاضيًا شجاعًا،
ولا مسؤولًا يقول “لا”.
يريد موظفين خائفين، ومواطنين منهكين، واقتصادًا قابلًا للابتزاز.
فهل من متعظ؟ أم أن هذا النظام لن يتعلّم إلا حين لا يبقى ما يُنهب، ولا عملة تُستنزف، ولا شعب قادر على الصمت؟

المشكلة في العراق ليست نقص القوانين، ولا شح الموارد، ولا حتى غياب العقول، بل في نظامٍ يخاف من الكفاءة أكثر مما يخاف من الانهيار.
نظامٌ لا يريد محافظ بنك مركزي مستقلًا، لأن الاستقلال يفضح الفساد، ويغلق أبواب المضاربة، ويمنع تحويل العملة إلى غنيمة حزبية.

في الدول التي تحترم نفسها، يُحمى البنك المركزي من السياسي.
وفي العراق، يُحمى السياسي من البنك المركزي.

هناك، يُدار النقد بعلم وخبرة ومسؤولية تاريخية.
وهنا، يُدار بالولاء، والمجاملة، والخوف من الإقالة.

جيروم باول لم يصبح قويًا لأنه شجاع فقط، بل لأن الدولة قررت أن تكون أقوى من نزوات الحاكم.
أما في العراق، فالدولة أضعف من الحزب، والحزب أضعف من شبكات المصالح، والمواطن هو الخاسر الدائم الذي يدفع ثمن الدولار المرتفع والتضخم والفقر.