صباح البغدادي
تشهد الساحة السياسية العراقية، في أعقاب التوافقات الأخيرة داخل الإطار التنسيقي، محاولة لإعادة ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء لولاية ثالثة، وهو ما يمكن اعتباره – مجازاً – إعادة اختراع لـ”العجلة” السياسية دون إضافة قيمة جوهرية للنظام الحاكم. منذ اختراع العجلة في حضارة بلاد سومر ولغاية يومنا هذا لم يطرا عليها إي تغير يذكر فبقيت على حالها كما هي ، وقد أثبت لنا التاريخ أن محاولات إعادة ابتكارها غالباً ما تؤدي إلى إهدار موارد دون تقدم ملموس، وفي السياق العراقي، يعكس هذا التوجه إصراراً محتملاً على تجاهل الدروس المستفادة من الولايتين السابقتين (2006-2014)، التي شهدتا انهياراً أمنياً جزئياً، وسيطرة تنظيم داعش على نحو ثلث مساحة البلاد، إلى جانب إخفاقات تنموية واقتصادية واجتماعية متراكمة، فضلاً عن سياسة خارجية أثارت توترات إقليمية.في حال تحقق هذا السيناريو، يُتوقع أن تعيد الولاية الثالثة العراق إلى نقطة الصفر أو ما دونها، خاصة مع تقديم برامج حكومية تبدو جديدة شكلياً، لكنها تفتقر إلى تجديد جوهري في آليات الحكم. يظل التحدي الأساسي في الابتعاد الفعال عن نفوذ العائلة والأقارب وقيادات الأحزاب في إدارة الدولة، وتجنب إعادة ابتكار مفاهيم راسخة كالديمقراطية بدلاً من تطبيق مبادئها بصرامة وشفافية. وفي لحظة تاريخية تكاد تكون ساخرة، يُصر قادة الإطار التنسيقي على إعادة اختراع “العجلة السياسية” ذاتها بترشيح نوري المالكي – رئيس الوزراء الأسبق الذي قاد البلاد خلال أسوأ مرحلتين من انهيار أمني وسياسي – لولاية ثالثة. هذا الإصرار يصطدم مباشرة بمقولة باتت شعاراً شعبياً راسخاً في الوعي العراقي: “المجرب لا يُجرب مرة أخرى”، مقولة لخصت رفض التيار الصدري والشارع العراقي الواسع لإعادة تدوير الوجوه والأساليب التي أثبتت فشلها الكارثي.
من منظور استشرافي، تبرز أسئلة حاسمة حول مسار الحكم المحتمل والولايتان السابقتان (2006–2014) لم تكونا مجرد إخفاقات عابرة؛ بل شهدتا كوارث للعراق على الصعيد الداخلي والخارجي :
- تفكك الدولة وانهيار الجيش،
- سيطرة تنظيم داعش على أكثر من ثلث مساحة العراق،
- تفشي الفساد الممنهج،
- إهدار مليارات الدولارات في مشاريع وهمية لم تتجاوز مرحلة “وضع حجر الأساس”،
- سياسة خارجية استفزازية أدت إلى عزلة إقليمية وتوترات مع دول الجوار.
- هل ستُستخدم ملفات الفساد والإرهاب كأدوات للمساومة والابتزاز السياسي، كما حدث سابقاً، أم ستُحول إلى آلية حقيقية للمحاسبة القضائية المستقلة، بغض النظر عن القرب أو البعد من الرئيس؟
- كيف ستتعامل الإدارة المقبلة مع قضية السلاح خارج إطار الدولة، في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة لتفكيك الفصائل المسلحة، والحجج الأمنية المستمرة حول بقاء تهديد داعش؟
- ما طبيعة العلاقة المستقبلية مع إيران، خاصة اقتصادياً، وهل ستتكرر نماذج المشاريع الوهمية التي أُنفقت عليها مليارات دون إنجاز، مع بقاء ملفات الفساد مخفية؟
- كيف ستُدار العلاقة مع التيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر؟ أي تصعيد – مفتعل أو عفوي – قد يؤدي إلى أزمة أعمق من “صولة الفرسان” السابقة، وربما يشكل بداية نهاية الولاية، مستلهماً شعار “المجرب لا يُجرب مرة أخرى”، أو سيتم احتواؤه عبر تقاسم مناصب وامتيازات اقتصادية مؤثرة. وعلى الرغم من هذه السجل الموثق والمأساوي، يُعاد تقديم المالكي اليوم كـ”حل”، مع برامج حكومية شكلية جديدة تُغلف نفس الأفكار القديمة والأساليب البالية في الحكم. هذا ليس تجديداً، بل إهدار متعمد للوقت والجهد والأمل، يعيد العراق إلى نقطة الصفر – أو ما هو أسوأ – في وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية (تراجع “الهلال الشيعي”، تغيرات في سوريا، تقارب محتمل مع السعودية).من منظور نقدي استشرافي، تطرح هذه المحاولة أسئلة مصيرية لا تحتمل التجاهل:
- هل ستتحول ملفات الفساد والإرهاب – التي كانت أداة ابتزاز ومساومة في الولايتين السابقتين – إلى أداة محاسبة حقيقية، أم ستظل سلاحاً لتخوين المعارضين وكسر إرادة الآخرين؟
- هل سيتم نزع السلاح خارج إطار الدولة بشكل جدي، أم ستُستخدم حجة “بقاء داعش” للمماطلة الدائمة، رغم الضغط الأمريكي المتزايد؟
- هل ستتكرر نمطية المشاريع الوهمية والفساد المستشري، مع بقاء ملفات النزاهة مدفونة في الأدراج، كما حذر حيدر العبادي سابقاً من أن كشفها كاملة سيؤدي إلى زلزال يهز العراق من شماله إلى جنوبه؟
- كيف سيُدار التعامل مع التيار الوطني الشيعي وزعيمه مقتدى الصدر؟ أي صدام – حتى لو كان مفتعلاً – قد يُشعل أزمة تفوق “صولة الفرسان”، وربما تكون بداية النهاية لهذه الولاية، تماماً كما أطاحت التظاهرات بعادل عبد المهدي، مستلهمة الشعار ذاته: “المجرب لا يُجرب مرة أخرى”.
اللغز الأكبر يكمن في تنازل محمد شياع السوداني – الذي فاز ائتلافه بأكبر عدد من المقاعد 46 مقعداً برلمانياً– لصالح المالكي، 29 مقعداً، وكتلة “صادقون” بزعامة قيس الخزعلي بـ28 مقعداً، فيما نالت “بدر” بزعامة هادي العامري 19 مقعداً، و”قوى الدولة” بزعامة عمار الحكيم 18 مقعداً، لتكون جميعها تحت مسمى الإطار التنسيقي (القوى الشيعية) والذي حصل على أكثر من 170 مقعداً نيابياً من أصل 329 مقعداً في الانتخابات الأخيرة 2025 وفي صفقة تبدو غامضة المقابل، وقد تؤسس تحالفاً هشاً يؤجل الانفجار السياسي بدلاً من منعه. لكن الشعب العراقي – المغيب عن صنع القرار – يدفع الثمن: مستقبل مجهول، مخاطر تصعيد اجتماعي وسياسي، وإهدار فرصة حقيقية للتجديد.المجرب لا يُجرب مرة أخرى ليست مجرد شعار انتخابي؛ إنها حكمة شعبية نابعة من تجارب مريرة. إعادة تدوير نموذج فشل سابق ليس خطأ سياسياً فحسب، بل مغامرة خطيرة تهدد بتعميق الانهيار بدلاً من إنقاذ ما تبقى. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان الإطار التنسيقي سيستمع إلى صوت الشعب والتاريخ، أم سيُصر على تكرار الكارثة ذاتها تحت غطاء “التوافق”، فيتحمل وحده مسؤولية ما قد يترتب عليها من انفجارات غير متوقعة.
يضاف إلى ذلك اللغز السياسي المتمثل في تنازلالسوداني – وقد فاز ائتلافه “الإعمار والتنمية” بأكبر عدد من المقاعد – لصالح المالكي، مما أفضى إلى تفاهمات أولية قد تؤسس تحالفاً جديداً بين الطرفين، رغم الخلافات التاريخية. هذه المناورة تضع الإطار التنسيقي أمام اختبار توازن هش، قد يؤجل انفجاراً سياسياً محتملاً، لكنه يعكس في الوقت ذاته ضعف القدرة على تجديد النخب الحاكمة.في ظل التغيرات الجوهرية إقليمياً – بما فيها تراجع مشروع “الهلال الشيعي”، وتحسن محتمل في علاقات العراق مع دول عربية كالسعودية وسوريا – يبقى الشعب العراقي مغيباً نسبياً عن دائرة التأثير في صنع القرار، مما يجعل المستقبل مفتوحاً على مفاجآت غير متوقعة. التحدي الحقيقي ليس في إعادة تدوير الوجوه والأساليب القديمة، بل في بناء مسار انتقالي يعيد الثقة بالعملية السياسية، ويضمن استقلالية المؤسسات، ويحمي المصالح الوطنية في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. وإلا، فإن إعادة العجلة ذاتها قد تؤدي إلى تعميق الأزمة بدلاً من حلها، مع ما يترتب عليه من مخاطر تصعيد اجتماعي وسياسي في المدى المنظور.
يبدو أن نوري المالكي قد حقق – حتى الآن – ما يشبه “الضربة القاضية” في حلبة الصراع السياسي داخل الإطار التنسيقي، بعد أن أعلن محمد شياع السوداني تنازله عن الترشح لولاية ثانية لصالح المالكي، رغم فوز ائتلاف “الإعمار والتنمية” بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (نوفمبر 2025). هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل عبر صفقة سياسية سريعة ومفاجئة أفضت إلى توافق داخلي – حسب تصريحات قياديي دولة القانون وبعض أعضاء الإطار – على ترشيح المالكي رسمياً لرئاسة الحكومة المقبلة (الولاية الثالثة له). السوداني نفسه أعلن دعمه لهذا الخيار خلال اجتماع الإطار يوم 10 يناير 2026، مما أنهى – ظاهرياً – الانسداد السياسي، وأتاح تقدماً نحو تشكيل الحكومة ضمن التوقيتات الدستورية.لكن هذا “الانتصار” يأتي في سياق يعكس تماماً ما وصفته: صراع على كرسي الحكم يشبه مباراة رياضية على جائزة كبرى، لا خدمة حقيقية للمواطن الذي يعاني من انهيار الخدمات، نقص الخبز والكهرباء، البطالة، والتسول المتفشي في شوارع بغداد والمحافظات. تجارب العقدين الماضيين – بما فيها ولايتا المالكي السابقتان – أثبتت أن الهدف الأساسي غالباً ما يكون الإثراء غير المشروع، توزيع المواقع والعقود، والتباهي أمام الكاميرات، لا بناء دولة قادرة على توفير أبسط احتياجات الحياة الكريمة.
لماذا يبدو الأمر “ضربة قاضية” للسوداني؟
- السوداني كان المرشح الأقوى عددياً (أكبر كتلة)، لكنه تنازل تحت ضغط التوافقات الداخلية، وربما مقابل مكاسب مستقبلية (تقارير تشير إلى احتمال توليه وزارة الخارجية أو حصة وزارية كبيرة لكتلته تصل إلى 5 حقائب).
- المالكي نجح في قلب الطاولة، مستفيداً من نفوذه التاريخي داخل الدولة العميقة والفصائل، ومن قدرته على إدارة التوازنات داخل الإطار.
- الإطار التنسيقي – رغم بعض التحفظات (من الحكيم وبعض الأطراف) – حسم الأمر بنسبة عالية (95% حسب تصريحات كتلة بدر)، مما يجعل عودة المالكي شبه مؤكدة إلا إذا طرأ تغيير دراماتيكي (موقف المرجعية، أو ضغط خارجي، أو تصعيد صدري).
النظرة النقدية الاستشرافية:هذا “الفوز” ليس انتصاراً للعراق، بل إعادة تدوير لنفس الوجوه والأساليب التي أدت إلى الكوارث السابقة. الشعب – كما أشرت – ليس طرفاً في الحلبة؛ هو الجمهور المغيب الذي يدفع الثمن: فساد متراكم، مشاريع وهمية، أسلحة خارج الدولة، ومستقبل مجهول. إذا عاد المالكي فعلياً، فسيكون السؤال: هل ستتكرر ملفات الابتزاز بالفساد والإرهاب، أم ستُدار الدولة بنفس الطريقة التي أوصلت العراق إلى حافة الانهيار؟المجرب لا يُجرب مرة أخرى – شعار ردده الشارع مراراً – لكنه يبدو أن بعض القادة يصرون على تكراره، وكأن الدولة مجرد جائزة شخصية، لا مسؤولية وطنية. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه “الضربة القاضية” نهاية النزال، أم بداية جولة جديدة من الصراعات والمفاجآت.
ولتنازل يأتي في سياق صراع نفوذ داخل الإطار التنسيقي، و “تغطية” على فضيحة وعن تورط إخوة السوداني أو عوائلهم في إثراء غير مشروع، وقد يكون صفقة سياسية لتوزيع مكاسب (وزارات، نفوذ، ضمانات مستقبلية).إذا كانت هناك “فضائح” مخفية، فهي لم تظهر بعد في الإعلام أو التحقيقات الرسمية، رغم حساسية الموضوع. العراق يعج بقضايا فساد متراكمة، لكن ربطها مباشرة بهذا التنازل يبقى تكهنات غير مدعومة حتى الآن.المجرب لا يُجرب مرة أخرى – كما تردد في الشارع – ينطبق هنا على كلا الطرفين: السوداني فشل في حل الأزمة الاقتصادية رغم الاستقرار النسبي، والمالكي يحمل سجلاً مأساوياً (2014 وداعش). عودة أي منهما قد تعمق الأزمة، سواء كانت الصفقة “نظيفة” أم لا.
ويجب إن لا ننسى أمر مهم وواقعي ومؤثر جدا ويأتي لقاء القائم بالأعمال الأمريكي في العراق جوشوا هاريس، اليوم الثلاثاء 13 ك2 ، مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، منسجماً مع هذا التوجه، ومؤشراً إلى مرحلة ضغوط سياسية متزايدة ستواجهها الحكومة المقبلة. وفي التفاصيل، أعلنت السفارة الأمريكية في بغداد، أن هاريس التقى بارزاني، وبحثا أهمية حماية السيادة العراقية، وتعزيز الأمن الإقليمي، وتطوير العلاقات الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة. وقال هاريس، بحسب بيان السفارة إن “الميلشييات الإرهابية المدعومة من إيران، والتي تتجاهل دعوات العراق لنزع السلاح، لا مكان لها في الحكومة العراقية بأي صفة”، مشدداً على أن “الولايات المتحدة ستواصل مطالبة العراق بالتحرك العاجل لتفكيك هذه الجماعات التي تسعى لتنفيذ أجندات خارجية تقوض سيادة البلاد، وتهدد أمن العراقيين والأمريكيين، وتجر العراق إلى صراع إقليمي.