الانقياء يرحلون سريعا

اصيل جليل

على طريقٍ خارجي في البصرة، حيث الغبار يسبق الخطوات، والبرد الذي يختبر صبر الفقراء، كانت هناك بسطية صغيرة لا يلتفت لها المارّة كثيرًا…

لكن خلفها كان يقف كرّار، شاب صغير بوجهٍ طيب وقلبٍ أنقى من الماء الذي كان يغلي لإعداد الشاي

لم يكن يملك متجرًا، ولا لافتة، ولا حماية من قسوة الطريق.

كان يملك فقط إبريق شاي، بضع كؤوس، وابتسامة لا تغيب

يبيع الشاي لسائقي الشاحنات والمسافرين، لا ليربح كثيرًا، بل ليستر يومه ويعود لأهله بكرامة.

كرّار لم يكن مجرد بائع شاي…

كان سلامًا عابرًا على طريقٍ متعب،

وكلمة طيبة في وجه غرباء،

ودعاءً صامتًا يرفعه كل صباح: “يا رب ارزقني بالحلال”

في لحظة خاطفة، وعلى الطريق ذاته الذي شهد تعبه،

دهسـ ـته شاحنة (تريلة)

لحظة واحدة أنهت جسدًا صغيرًا، لكنها لم تُنهِ الحكاية.

رحل كرّار…

رحل جسده، وبقيت سيرته تمشي بين الناس

بقيت قصته تُروى بحرقة:

“كان مجرد بائع شاي… لكن قلبه كان أكبر من الطريق”.

بكته البصرة بصمت،

وبكته القلوب التي لم تعرفه،

لأن البراءة حين تُكسر، توجع الجميع

يا كرّار،

لم تمت فقيرًا…

متَّ غنيًّا بالأثر، نقيًّا بالنية، خفيفًا على الأرض، ثقيلًا في الميزان

رحمك الله يا ملاك الطريق،

وجعل مثواك الجنة،

وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان

☕ أحيانًا…

كوب شاي بسيط،

يصنع إنسانًا عظيمًا،

ويرحل قبل أن يأخذ حقه من الدنيا

لكن كم كرار يجلس على رصيف العوز ينظر إلى السماء بوجع