حين يحمل الفشل على اكتاف الفقراء من يمثل من في العراق

حين يُحمَّل الفشل على أكتاف الفقراء: من يمثل من في العراق؟
لم تعد الأزمة الاقتصادية في العراق أزمة أرقام أو عجز موازنات، بل تحولت إلى أزمة عدالة ومنطق وأخلاق سياسية. فمع كل اهتزاز مالي، يخرج بعض المسؤولين والنواب ليقترحوا حلولًا لا تمسّ الفشل الحقيقي، بل تمسّ من لا حول له ولا قوة: الموظف الصغير، المتقاعد، مستفيد الرعاية الاجتماعية.
لقد صنعت بعض الطروحات الرسمية حاجزًا نفسيًا خطيرًا بين الشعب وممثليه، حاجزًا يقوم على معادلة مقلوبة:
حقوق المواطن قابلة للقصّ والتقليص والمصادرة،
بينما حقوق المسؤول مصانة، محصنة، وكأنها قدر رباني لا يجوز المساس به.
المفارقة المؤلمة أن المسؤول، في أوقات الوفرة المالية، يكون أول المنتفعين، تتضخم رواتبه، تتعدد مخصصاته، وتتوسع امتيازاته.
أما في أوقات الأزمات، فإنه يختفي من المشهد، يخرج من دائرة المشكلة، ومن زمانها ومكانها، ويُترك المواطن وحده في الواجهة ليدفع الثمن.
في الأمس، ظهرت النائبة البرلمانية حنان الفتلاوي لتثبت انها نائبه و لتجد حل المشكلة الاقتصادية في تخفيض رواتب الموظفين وإلغاء مخصصاتهم. آخرون قبلها وجدوا الحل في رواتب الرعاية الاجتماعية، أو في مستحقات المتقاعدين، وكأن هذه الشرائح هي من أدارت الملف الاقتصادي، أو وضعت السياسات، أو أهملت التخطيط، أو غطّت على الفساد.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
أي نائب عن الشعب هذا الذي يبدأ بإيذاء من انتخبه؟
وأي تمثيل نيابي ذاك الذي يرى في قوت المواطن عبئًا، وفي امتيازات المسؤول خطًا أحمر؟
الحقيقة التي يتم القفز عليها عمدًا هي أن الأزمة الاقتصادية في العراق لم يصنعها الموظف، ولا المتقاعد، ولا الأرملة، ولا العاطل عن العمل.
صنعها: سوء الإدارة،
غياب الرؤية الاقتصادية،
تضخم الدولة غير المنتجة،
الفساد المستشري،
والامتيازات غير المبررة لطبقة سياسية تعيش بمعزل عن واقع الناس.
لكن بدل مواجهة هذه الأسباب، يتم اللجوء إلى الحل الأسهل والأكثر قسوة: تحميل الحلقة الأضعف وزر الفشل.
إن الاستمرار في هذا النهج لا يعني إصلاحًا اقتصاديًا، بل يعني تعميق القطيعة بين المجتمع والدولة، وتحويل البرلمان من سلطة تمثيلية إلى سلطة تصادمية مع شعبها.
فالدولة التي تعالج أزماتها عبر استنزاف الفقراء، إنما تؤسس لانفجار اجتماعي مؤجل، لا لاستقرار مالي.
الحل الحقيقي لا يبدأ من جيوب المواطنين،
بل يبدأ من: تقليص امتيازات المسؤولين،
إخضاع الدرجات الخاصة للمساءلة،
محاسبة الفشل الإداري،
وإعادة تعريف المنصب العام بوصفه مسؤولية لا غنيمة.
أما غير ذلك، فليس حلًا للأزمة،
بل عقاب جماعي لشعب صبر طويلًا… وربما أكثر مما ينبغي.
الكاتب: حسن درباش العامري