الحذر ..يقيكم الضرر

ضياء المهندس

تستطيع الولايات المتحدة، من الناحية التقنية والعسكرية، أن تستهدف أيّ شخصية سياسية أو عسكرية معادية لها بصاروخٍ ذكي يصل إلى غرفة نومه بدقةٍ تكاد تقترب من الصفر، سواء كان ذلك في كراكاس أو بغداد. غير أن هذا الخيار، على الرغم من فاعليته الميدانية، لا يحقق ما تسعى إليه واشنطن فعليًا: الردع النفسي والمعنوي القائم على الصدمة والرعب.

فالاستهداف المباشر غالبًا ما يحوّل الهدف إلى “شهيد” أو “بطل مقاوم”، ويمنحه رمزية داخل بيئته المحلية، وربما تعاطفًا إقليميًا ودوليًا. وهذا ما تدركه الولايات المتحدة جيدًا، ولذلك فهي لا تبحث عن القتل بقدر ما تبحث عن الإذلال السياسي وكسر الصورة الذهنية للخصم.

ما جرى في كراكاس لم يكن عملية أمنية معزولة، بل عرضًا محسوبًا للقوة: استعراض للتكنولوجيا الأميركية، ولقدرات قوات النخبة مثل “دلتا فورس”، وللسيطرة الجوية والاستخبارية، في مشهدٍ أقرب إلى فيلم هوليوودي صُمم بعناية ليصل صداه إلى أبعد من فنزويلا. الرسالة كانت واضحة: الولايات المتحدة قادرة على الوصول إلى أي مكان، وفي أي وقت، وبأي وسيلة، بما في ذلك الدخول إلى غرف النوم، لا مجرد الضغط من الجو أو البحر.

هذه الرسالة لا تتوقف عند مادورو، ولا عند النظام الفنزويلي فقط، بل تمتد لتشمل كل من يظن أن بإمكانه تحدي واشنطن أو اللعب على حافة الصدام معها. بغداد، بكل ما تضمّه من قيادات سياسية متشابكة مع أذرع مسلحة وميليشيات، ليست بعيدة عن هذا النموذج. فالبيئة العراقية، بما تحمله من هشاشة أمنية وتعدد مراكز القوة، تجعل من هذا السيناريو قابلًا للتخيّل أكثر مما يُعتقد.

دونالد ترامب، بعقليته القائمة على استعادة صورة “أميركا المهيمنة”، يدرك أن القوة العسكرية هي اللغة الوحيدة التي تُعيد للولايات المتحدة هيبتها في نظر الخصوم. وهو يرى أن سنوات التراجع النسبي في عهد الإدارات الديمقراطية أضعفت هذه الصورة، وأن إعادة ترميمها لا تكون بالبيانات الدبلوماسية، بل بالفعل الصادم والمشهد المدروس.

العملية، بهذا المعنى، ليست تهديدًا لمادورو وحده، بل رسالة ردع نفسية مفتوحة لكل قيادة سياسية أو ميلشيوية تعتقد أن الجغرافيا أو التعقيد المحلي يحميها. الرسالة تقول بوضوح: لا حصانة دائمة، ولا مناطق رمادية، ولا غرف نوم آمنة لمن يضع نفسه في مسار التصادم مع الولايات المتحدة.

هكذا تريد واشنطن – وترامب تحديدًا – أن تُفهم المعادلة: الردع لا يبدأ بالصاروخ، بل بالخوف من احتماله.

البروفيسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي