عُرسٌ مؤجَّلٌ إلى الأبد

رياض سعد

عُرسٌ مؤجَّلٌ إلى الأبد

لم يكن محمد وشيماء مجرّد اسمين يتجاوران في شجرة العائلة، بل كانا قدرين يتدرّبان على اللقاء منذ الطفولة… ؛  كَبِرا كما تكبرُ الأشجار المتقابلة على ضفّتَي نهرٍ واحد، تمدّ كلٌّ منهما جذورها خفيةً نحو الأخرى، بينما الأهل، ببراءةٍ موروثة، قرّروا منذ البدايات أن يُتوَّج هذا القرب بزواجٍ حين ينضج العمر…

ومضت السنوات، لا كخطٍّ مستقيم، بل كحلزونٍ يلتفّ حول ذاته… ؛  اشتدّ الودّ بينهما، وصار الحبّ عادةً يومية لا تُقال، نظرةٌ تكفي، وصمتٌ أطول من الكلام… ؛  وحين آن أوان الإعلان، تدخّلت الأقدار ببرودها الغامض؛ مات عمّ محمد، والد شيماء، فسقط الحلم الأوّل كزهرةٍ داستها جنازة.

قالوا: التأجيل حكمة.

وقال الزمن: الانتظار امتحان.

وبعد حينٍ، حين لملم القلب شتاته، وعاد العزم يتكئ على الإيمان، امتدّت يد القدر ثانيةً، فغاب والد محمد، عمّ شيماء… ؛  صار الفقد متكرّرًا، حتى بدا كأنه شرطٌ غير مكتوب لهذا الزواج المستحيل …!!

 كانت شيماء تشعر أن الفرح كلّما اقترب منها ارتدى ثوب حداد، وأن محمد كلما حلم ببيتٍ جديد انفتح في الجدار بابٌ للمقبرة…

مرّت سنة، ثقيلة كحجرٍ في الصدر… ؛  عاد الحديث عن الزواج خافتًا، كمن يعتذر من المصيبة قبل أن تقع… ؛  لكن القضاء لم يكتفِ؛ هذه المرّة خطف حسين، طفل أخت شيماء المدلل ، الذي كانت تحبه حبًّا أموميًا، كأن قلبها استعار له غرفةً خاصة… ؛  برحيله، انكسر شيءٌ عميق في داخلها، شيءٌ لم يُسمَّ، لكنه صار يسكنها…

عندها، وبعد اللتيا واللتي، اتخذ القرار الأكثر غرابة: زواجٌ سرّي، كأن الفرح جريمة تُرتكب في الظل… ؛  كان الحصار يطوّق البلاد، والقلق يطوّق الأرواح، فاختارا فندقًا متواضعًا في مدينة الكاظمية المقدّسة، تبركًا بالإمامين، واحتماءً بما تبقّى من معنى… ؛ و حضر المقرّبون فقط، أولئك الذين يعرفون أن هذا الزواج ليس احتفالًا، بل تحدٍّ صامت للموت…!!

دخل محمد الفندق بخطواتٍ متردّدة، كأنه يعبر حدًّا غير مرئي… ؛  كان قلبه يخفق لا فرحًا وحده، بل خوفًا أيضًا، خوفًا بلا سبب واضح، كأن الذاكرة الجماعية للفقد تهمس له: انتبه… ؛  مدّ يده ليفتح باب الغرفة، الباب الذي يفصل العزوبة عن الشراكة الزوجية والعش الذهبي … ؛  الانتظار عن الوصول… ؛  وفي اللحظة ذاتها، خان الجسدُ الروح؛ سقط محمد مغمًى عليه، ثم أسلم أنفاسه الأخيرة بهدوءٍ جارح، كأن الموت قرّر أخيرًا أن يحضر العرس بنفسه…!!

لم تصرخ شيماء… ؛ كان الصمت أكبر من الصوت…!!

صار الفستان شاهدًا، والمفتاح رمزًا، والغرفة فراغًا لا يُسكن… ؛  هكذا تأجّل الزواج إلى الأبد، لا بوصفه حدثًا لم يكتمل، بل بوصفه قصةً تعلّم الناس أن بعض الأحلام لا تُكسَر، بل تُحفَظ معلّقةً بين السماء والأرض، وأن الحبّ، حين يُطارد بالفقد، يتحوّل من وعدٍ بالحياة إلى مرآةٍ للمجتمع، تفضح هشاشتنا أمام قدرٍ لا يوقّع على عقوده أحد…