علي المؤمن
عشرة ملايين شيعي، يأخذون موقفهم الشرعي من المرجعية الدينية الشيعية، خرجوا أول أمس في جميع مدن إيران لإعلان استعدادهم للدفاع عن النظام الشيعي، حتى قبل أن تصدر فتوى دفاعية من قم أو النجف أو طهران. فماذا سيحدث في الميدان لو صدرت فتاوى الجهاد الدفاعي؟!
رغم هذا، لم يقل أحد من خصوم النظام ومؤيديه وعموم المراقبين إن هؤلاء الملايين من المؤمنين الذين يمثلون جزءاً بسيطاً من قاعدة النظام الاجتماعي الديني الشيعي، هم القوة العظمى الأهم التي تلغي أي احتمال لزعزعة النظام الشيعي في إيران، فضلاً عن احتمال سقوطه، وتجعل هذين الاحتمالين مجرد خيال محض.
في حين أن خروج تظاهرات احتجاجية لا يزيد مجموع المشاركين فيها عن 50 ألف شخص في جميع أنحاء إيران، وأعمال عنف قامت بها مجموعات مسلحة يبلغ عدد أفرادها 1500 شخص، جعل الخصوم يطلقون بالونات الفرح، وجعل المحبين يشعرون بالخوف والحزن، فيما سرح المراقبون في خيالات سيناريوهات سقوط النظام الشيعي ومرحلة ما بعد سقوطه.
هذا كله دليل الجهل بعناصر قوام النظام في إيران وقوته وحصانته، وضعف الوعي بماهية النظام السياسي الإيراني وعلاقته العضوية بالنظام الاجتماعي الديني الشيعي.
ولو اندلعت الحرب بين إيران والولايات المتحدة غداً أو بعد غد، وتم قصف إيران بالقنا بل النو وية، وتم استهداف آية الله الخا منئي، فإن النظام لن يسقط، ولو استمرت الحرب عشر سنوات. فالذي سيحدث هو هزيمة ساحقة لأمر يكا وإسر ائيل، حتى بالمعايير العسكرية والاستراتيجية، فضلاً عن المعايير السياسية والإيديولوجية، ولن تكون هناك معركة مؤتة جديدة ولا واقعة كربلاء جديدة، وإنما معركة بدر جديدة ومعركة أحزاب جديدة.
قد يفهم بعضهم أن هذا الاستنتاج يمثل خطاباً تعبوياً أو رؤية إيديولوجية تتعكز على عناصر غيبية، وهذا الفهم ليس صحيحاً، إنما هي حقيقة قائمة لها أسسها العلمية المنهجية، وتأخذ بنظر الاعتبار كل معايير القوة وأدوات الصراع بين الطرفين، ليس القوة المادية وحسب، وإنما القوة الاجتماعية الدينية الشيعية العصية على الانكسار، والتي تعيش ذروة قوتها وعنفوانها.
هذا الاستنتاج هو حصيلة أربعة عقود ونصف من الدراسة المنهجية والتخصص في النظام الإيراني، بينها رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه وعدد من الكتب وعشرات البحوث والمقالات، وهي التي تجعلني أجزم بأن هذا النظام لن يضعف ولن يتزعزع، ولن ينكمش نفوذه الخارجي، فضلاً عن استحالة سقوطه، لمائة عام كحد أدنى، وذلك بفضل العجين الديني المذهبي السياسي الاجتماعي الذي صنع منه الإمام الخميني هذا النظام، وهو عجين يستحيل فصل مكوناته المنصهرة ببعضها.
وقد شرحت ذلك في مقال سابق، أوضحت فيه هذه المعادلة التي تعد أهم أسرار قوة النظام السياسي الإيراني، فسقوط النظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي يعود تأسيسه إلى ما قبل 1200 سنة، والذي أنجب النظام السياسي الحالي في إيران، هو المقدمة الوحيدة التي تجعل سقوط النظام الإيراني ممكناً.