برلين تكسر المحرَّم الروسي
كتب رياض الفرطوسي
لم يكن فريدريش ميرتز يتمنى عاماً سعيداً لأوروبا حين ختم خطابه قبل أيام، خلال فعالية سياسية ذات طابع حواري لا بروتوكولي، أُقيمت في شرق ألمانيا. جاءت كلمته في لحظة أوروبية شديدة الحساسية، حيث لم تعد الخطابات التطمينية كافية، ولا الأمنيات تصلح بديلًا عن القرارات الصعبة.
ما طرحه المستشار الألماني لم يكن أمنية، بل شرطاً قاسياً للبقاء: السلام، والحرية، وإعادة التوازن مع روسيا. ثلاثية تبدو أخلاقية في ظاهرها، لكنها في جوهرها إعلان سياسي صريح بأن سياسة الإنكار الأوروبية وصلت إلى طريق مسدود، وأن الاستمرار في تجاهل الواقع الجيوسياسي لم يعد خياراً قابلًا للحياة.
حين قال المستشار الألماني إن “روسيا بلد أوروبي”، لم يكن يعرّف الجغرافيا، بل يعيد تعريف السياسة. هذه الجملة وحدها تنسف ثلاث سنوات من الخطاب الذي تعامل مع موسكو كجسم طارئ، كخطأ جغرافي يجب عزله لا التعايش معه. ميرتز لم يقل ذلك لأنه في شرق ألمانيا، كما حرص على التوضيح، بل لأنه أدرك أن إنكار روسيا لا يصنع أوروبا أكثر أمناً، بل أكثر هشاشة.
اللافت في خطاب ميرتز ليس نبرته الهادئة، بل واقعيته القاسية. لم يعد يتحدث عن قيم بلا أدوات، ولا عن وحدة أوروبية بلا وزن. قالها بوضوح: إذا لم يُعاد التوازن مع روسيا، فلن يكون هناك مستقبل أوروبي يمكن النظر إليه بثقة بعد 2026. هنا تتحول السنة إلى موعد نهائي، لا إلى أمنية رأس سنة.
هذا الكلام يأتي في لحظة حرجة: الاتحاد الأوروبي قضى قرابة ثلاث سنوات في عزل موسكو، لكنه في المقابل عزل نفسه عن طاولة التفاوض. بينما كانت بروكسل تُصدر بيانات، كانت واشنطن تفاوض. وحين قادت الولايات المتحدة المسار السياسي، وجدت أوروبا نفسها في دور المتفرج النبيل: أخلاقي الخطاب، ضعيف التأثير.
ميرتز، من هذه الزاوية، لا يدعو فقط إلى حوار مع روسيا، بل يعلن استقلالًا اضطرارياً عن واشنطن. ليس انفصالًا، بل تصحيح علاقة. فالحليف الذي يقود وحده، ويقرر وحده، ويُفاوض وحده، يترك خلفه حلفاء بلا قرار. أوروبا، كما بدا في خطاب ميرتز، سئمت من أن تكون شريكاً بلا مفاتيح.
التحول الألماني يكتسب ثقله لأنه يأتي من برلين، لا من عاصمة هامشية. والأهم أنه يمثل قطيعة مع موقف ميرتز نفسه قبل أشهر، حين اعتبر التواصل مع بوتين غير مجدٍ. ما الذي تغيّر؟ الجغرافيا لم تتغير، لكن ميزان القوة تغيّر. والضغط الجيوسياسي لا يترك مساحة كبيرة للأوهام.
الأهم من الخطاب نفسه ليس كلماته، بل صداه الأوروبي المتسارع. فالمفوضية الأوروبية باتت تعترف، ولو على مضض، بأن الحوار مع موسكو أصبح أمراً لا مفر منه. وفي باريس، يذهب الرئيس إيمانويل ماكرون أبعد من ذلك، مطالباً بحوار مباشر “حقيقي” مع روسيا، لا عبر الوسطاء ولا خلف العناوين الفضفاضة.
أما في روما، فتدعو جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، إلى موقف أوروبي موحّد ومنظّم، يحول دون فوضى المبادرات الفردية التي لا تُنتج سياسة، بل تُقدَّم لبوتين على طبق من ارتباك أوروبي مزمن.
هنا تتضح المخرجات السياسية لخطاب ميرتز:
نهاية مرحلة العزلة المطلقة لروسيا.
اعتراف أوروبي ضمني بفشل استراتيجية التهميش.
بداية استعادة أوروبا لدورها السياسي، لا كظل لواشنطن، بل كشريك له حسابه.
ربط مستقبل الاتحاد الأوروبي بما بعد 2026، لا بما قبل 2022.
ميرتز لم يعد يطرح سؤال: هل نتحاور مع روسيا؟ بل يطرح سؤالًا أكثر إزعاجاً : هل تستطيع أوروبا الاستمرار دون هذا الحوار؟
في السياسة، لا تُكافأ النوايا، بل تُحاسَب النتائج. وما يقترحه المستشار الألماني ليس سلاماً رومانسياً، بل توازناً بارداً، عقلانياً، وربما غير مريح. لكنه، في عالم متصدّع، أقل كلفة من استمرار العناد.
برلين فتحت الباب. والسؤال الآن ليس من سيعترض، بل من سيتجرأ على الدخول أولًا.