د. فاضل حسن شريف
اضطر بعض المسلمين إلى الخروج خارج البلاد، فكانت هجرتي الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة، وحاولت قريش أن تمنع البعض من السفر أو من الخروج، وهو ما يسمى في الوقت الحاضر بالإقامة الجبرية، فأمسكوا بمن استطاعوا مسكه، وتفلت البعض الآخر، وخرجوا خارج البلاد، وشكلوا بما نسميه نحن في هذا العصر بحزب المعارضة، ضد حكومة قريش في مكة. فحاولت قريش أن تستعيد رعايها فأرسلت مندوبها إلى ملك الحبشة، لكن باءت تلك المحاولة بالفشل، والقصة معروفة لكن الشاهد، أولئك الدعاة، القلة المستضعفة في مكة، نهاية القصة بمإذا انتهت؟ انتهت القصة بأن الأفواه التي كمت عن الكلام وعن تبليغ دين الله، وأولئك الذين خرجوا خارج البلاد، أولئك النفر الذين كانت تطاردهم أجهزة أمن قريش في شعاب مكة وأزقتها، هم الذين دقوا أعناق أكابر المجرمين في بدر وأحد، والأحزاب، وغيرها من مواقف الإسلام الفاصلة، أولئك الذين هربوا خارج مكة، ليكونوا حزب المعارضة ضد قريش، ولاحقتهم السلطات القريشية، هم الذين فتحوا القرية – مكة – بعد ذلك، وأذلوا كبرياء المجرمين الأكابر فيها، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصدق الله العظيم “إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ” (الصافات: 34) قال الله تعالى: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ” (النمل 69) فيا خسارة أولئك الأكابر، “أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ” (الجاثية 31). كم هو جميل لو خضع الأكابر لدين الله كم هو جميل لو تبنى الأكابر هم بأنفسهم دعوة الخير والإصلاح فانتفعوا ونفعوا، يُبقي الله لهم سلطانهم وملكهم، هذا في الدنيا، وأما الآخرة، فمما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأي غبن وأي غباوة من الأكابر أن يُهلكوا أنفسهم بأيديهم، يعارضون دين الله، ويتعرضون لأتباع دين الله، فتكون الخسارتين عليهم، في الدنيا، بزوال سلطانهم، كما سردت لكم قصص وآيات الرسل، وأما في الآخرة، فلعذاب الآخرة أشد وأبقى. وصدق الله العظيم، “وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ” (الأنعام 123).
إن الظلم والترف من صفات المجرمين، قال الله تعالى: “فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)” (هود 116-117). فليتق الله كل من وجد في نفسه خصلة مما ذكرت فليتق الله كل من به إجرام، فإن النهاية ليست هينة، فضيحة في الدنيا، وخزي وذل وصغار في الآخرة، هذا الذي ساقه إجرامه إلى إذلال أهل الإيمان، ستكون نهايته قول الله تعالى: “سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ” (الأنعام 124). ذلك المجرم الذي كان يحارب دين الله ويرفع رأسه على شريعة الله، ويشمخ برأسه على عباد الله الصالحين، ذلك الرأس، سوف يُنكس يوم القيامة. اسمع إلى قول الحق في ذلك: “وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ” (السجدة 12)، هل هذا فحسب، كلا، بل “وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(52)” (إبراهيم 49-52).
جاء في موقع المنصة عن لعبة الطغيان: السقوط في الحفرة على طريقة صدام حسين للكاتب ياسر الزيات: مضى نحو خمس ساعات، عندها رأينا في تليفزيون صغير أمامنا وضعته إدارة الفندق، أن هناك بثًا مباشرًا لاستقبال الرئيس المثقفين العرب. كان الرئيس جالسًا في استاد رياضي كبير، يستعرض ما سماه جيش القدس، عندما ظهرت مجموعة من الرجال والنساء الذين يرتدون أزياء مدنية، عندها قال المذيع بصوت يملؤه الحماس وها هي وفود مهرجان المربد الشعري، جاءت من كل حدب وصوب في الوطن العربي، لتحية السيد الرئيس وتأييده، ووقف صدام حسين مرتديًا معطفًا أسود، وقبعة سوداء، وأمسك بندقية بيد واحدة، أطلق منها عدة أعيرة نارية ردًا على تحية الوفود التي كانت ترفع الأيادي ملوحة للقائد المهيب. عرفنا أننا نجونا، وعرفنا من العائدين أنهم ظلوا محتجزين في مكان مغلق بلا طعام أو شراب لأكثر من خمس ساعات، إلى أن فتحوا لهم الباب، فوجدوا أنفسهم يمرون أمام صدام حسين. لم ننج من مقابلة الرئيس فقط، بل نجونا أيضا من انتظار الأنضمام إلى القطيع. مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، التي سميت لاحقًا بحرب الخليج الأولى، بنى العراق 38 ملجأ حصينًا، كان بينها ملجأ العامرية الذي حمل الرقم 25. بعد خروجنا من زيارة ملجأ العامرية قال صديقنا الروائي العراقي، كان يرتعش ويتكلم بصوت خفيض مختلط بالخوف والبكاء (لا تصدقوهم اي جماعة صدام، لا تصدقوهم، هؤلاء مجرمون، جعلوا من النساء والأطفال والمدنيين العزّل دروعًا بشرية). كان يلتفت من حين إلى آخر، ليتأكد من أن أحدًا لا يراقبنا أو يتنصت علينا، ويكمل (هذا النظام لا يقل إجرامًا. لم يكن مجرد ملجأ كان الطابق السفلي الذي يقع تحت الأرض بطابقين، هو مقر القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية، وكان صدام حسين يدير المعارك من هناك. كان صدام موجودًا قبل دقائق من سقوط الصاروخين، وكانت الطائرتان تحلقان فوق الملجأ قبل قصفه، فأخرجوه. رصدوا إشارات لاسلكية صادرة عن قيادة الجيش أسفل الملجأ، فقصفوه. كلهم مجرمون. والأن يتاجرون بدمائهم وجثثهم. لا تصدقوهم). عندما عثروا على صدام في الحفرة، فهمت كيف وصل إلى هناك، ورأيت عيون بنات صديقي الذي قدم لي طعام أطفاله كرمًا، ورأيت بقايا الجثث على جدران ملجأ العامرية، وشممت رائحة شواء اللحم البشري، أدركت أن هذه نهاية طبيعية للعبة الطغيان.