رياض سعد
بعضنا قرأ مقولة الأديب الروسي العظيم (ليو تولستوي) التي تُلخِّص مصيرَ الإنسان بمصدره الأول , اذ قال : “إنها العائلة، إما أن تصنع إنساناً أو كومة عُقد.”
ليست الأسرة مجرد إطارٍ اجتماعيٍّ يضم أفرادًا تحت سقفٍ واحد، بل هي المصنع الأول الذي تُصاغ فيه ملامح الإنسان النفسية والعقلية والوجدانية والاخلاقية والوراثية … ؛ ولعل مقولة الأديب الروسي ليو تولستوي تختصر هذه الحقيقة بعمقٍ بالغ؛ فإما أن تصنع الأسرة إنسانًا سويًّا، متوازنًا عقليًا ونفسيًا وعصبيًا، وإما أن تُنتج كومةً من العُقَد، تحمل جسد إنسانٍ وقلبه، لكن بروحٍ مأزومة وعقلٍ مثقل بالاضطراب.
من خلال التأمل في تجارب واقعية عديدة، يتبين أن التفكك الأسري ليس حدثًا عابرًا، بل مسارًا طويلًا من التصدعات الصامتة التي تبدأ غالبًا من الفقر، أو القهر، أو الإهمال العاطفي، أو العنف الرمزي والمادي … ؛ هذه العوامل لا تنتهي آثارها بزوال أسبابها، بل تترك ندوبًا عميقة في النفس، تستمر حتى لو تحسنت الظروف المادية لاحقًا… ؛ فالفقر، مثلًا، لا ينهك الجسد فحسب، بل قد يزرع في الداخل شعورًا دائمًا بالنقص، والخوف، وانعدام الأمان، وهي مشاعر تتحول مع الزمن إلى أنماط سلوكية مؤذية.
الأخطر في الأمر أن كثيرًا من هؤلاء لا تبدو عليهم ملامح الاضطراب بوضوح؛ ينجحون اجتماعيًا، ويحققون مكاسب مادية، وربما يبدون عقلانيين ومتزنين في الظاهر… ؛ غير أن الداخل يحكي قصةً أخرى: فراغ عاطفي، وبرود إنساني، وعجز عن الحب الحقيقي، يقابله استعداد عالٍ لإيذاء الآخرين واستغلالهم… ؛ فهم لا يضرون أنفسهم مباشرة، بل يوجهون أذاهم نحو من يختلط بهم أو يتعامل معهم، وكأنهم يعيدون إنتاج ما تعرضوا له، ولكن بأدوار معكوسة.
المال، في هذه الحالة، لا يكون وسيلةً للعيش الكريم، بل يتحول إلى غايةٍ مرضية، وإلى تعويضٍ قاسٍ عن حرمانٍ قديم… ؛ ومع ذلك، لا يتحقق الشبع ولا الاكتفاء، لأن الجوع هنا ليس جوع المعدة، بل جوع الروح… ؛ ولهذا لا يشعرون بالذنب، إذ إن الضمير ذاته قد تشكل في بيئةٍ مختلة، فلم يتعلم التعاطف، ولا تحمّل المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر.
إن أخطر ما تفعله الأسرة حين تفشل، أنها تخرّج أفرادًا قادرين على التخريب وهم يظنون أنهم ناجحون، وقادرين على الإيذاء وهم يعتقدون أنهم أقوياء… ؛ ومن هنا، فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ من القوانين ولا من الاقتصاد فحسب، بل من داخل البيوت: من طريقة التربية، ومن العدالة العاطفية بين الأبناء، ومن توفير الأمان النفسي قبل أي شيء آخر… ؛ فأسرةٌ سليمة قد تنقذ إنسانًا من أن يكون عبئًا على نفسه وعلى غيره، وأسرةٌ مريضة قد تصنع أزمةً تمشي على قدمين ؛ وفرد مُثقَلٌ بالأمراض والعقد والاضطرابات النفسية.
**التحليل النفسي والاجتماعي:
1. الصدمة المُعَاد إنتاجها: يرى التحليل النفسي، وخاصة نظرية التعلق، أن أنماط العلاقة المختلة التي نشأ عليها الفرد في أسرةٍ مُهملة أو مسيئة، تُعاد تمثيلها (إعادة التمثيل) في علاقاته اللاحقة… ؛ فمن عانى الإهمال العاطفي أو العنف، قد يطور دفاعاتٍ نفسيةً قاسية (كالنرجسية أو الانعزال العاطفي) تحمله على إيذاء الآخرين كطريقة غير واعية لتكرار الصدمة والتحكم بها هذه المرة.
2. الفقر كصدمة مركبة: لا يعتبر الفقر مجرد حالة مادية، بل هو صدمة اجتماعية نفسية مستمرة… ؛ فهو يولد شعوراً عميقاً بالعجز والحرمان وانعدام القيمة… ؛ عند بعض الناجين منه، قد يتحول هذا الإحساس إلى نزعةٍ استحواذيةٍ هائلة تجاه المال، كتعويض رمزي عن كل ما فقده… ؛ لكن المال لا يعالج الجرح النفسي، فيظل الشعور بالخواء قائماً، مما يغذي دائرة السلوك التدميري.
3. اغتراب الضمير والعدوانية النفعية: عدم الشعور بالذنب المذكور هنا يمكن تفسيره عبر آلية الدفاع النفسي المعروفة بـ “الكبت” و”التبرير”… ؛ حيث يقوم الفرد بقمع مشاعره الأخلاقية الأساسية وتبرير أفعاله العدائية بأنها ضرورية للبقاء أو للوصول إلى ما حُرم منه… ؛ و من المنظور الاجتماعي، يصبح هذا سلوكاً نفعياً بحتاً، تُقدَّم فيه المصلحة المادية الضيقة على كل رابط إنساني، فيصبح الآخر مجرد وسيلة أو عائق.
4. الدور الاجتماعي المُشَوَّه: الأسرة، كنظام اجتماعي، تمنح الفرد أولى أدواره (الابن، الأخ)… ؛ عندما يفشل هذا النظام، يخرج الفرد وهو يحمل دور “الضحية-الجاني” المشوه… ؛ و في العلاقات اللاحقة، قد يرفض دور الضحية الهش ويتبنى بقوة دور “الجاني” القوي المسيطر، كي لا يُجرح مرة أخرى، فيُجرح غيره بدلاً عن ذلك.
5. الوباء الاجتماعي الخفي: تُظهر هذه الحالات كيف يمكن للصدمة الأسرية أن تتحول إلى “وباء” علائقي صامت… ؛ فالشخص المُحمَّل بالعقد لا يدمر نفسه فحسب، بل يصبح ناقلاً للأذى، يحطم ثقة من حوله، ويعزز فيهم بدورهم أشكالاً من الخوف أو العدوانية، مما يوسع دائرة الخراب الاجتماعي.
**خاتمة:
مقولة تولستوي، وما تلاها من مشاهدات، ليست حكماً قدرياً، بل هي إنذارٌ نفسيٌ واجتماعي… ؛ إنها تؤكد أن الاستثمار في الصحة النفسية للأسرة ليس ترفاً، بل هو أساس البناء الحضاري… ؛ و علاج هذه الدوائر المفرغة يتطلب جرأةً على مواجهة الجراح القديمة، وفهماً عميقاً لآلية انتقالها، واستعادة للضمير الجمعي الذي يضع الإنسانية فوق المنفعة، والعلاقة فوق المال… ؛ فالأسرة حقاً يمكن أن تكون رحِماً دافئاً لإنسانٍ سوي، أو أن تتحول – إذا أُهملت – إلى مقبرةٍ أولى تُدفن فيها إمكانيات الحب والثقة والسلام.