الفرق بين كلمتي عوج بكسر العين وفتحها (لا ترى فيها عوجا)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وعلا “يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا” (طه 108) “يومئذ” أي يوم إذ نسفت الجبال “يتبعون” أي الناس بعد القيام من القبور “الداعي” إلى المحشر بصوته وهو إسرافيل يقول: هلموا إلى عرض الرحمن “لا عوج له” أي لاتباعهم: أي لا يقدرون أن لا يتعبوا، “وخشعت” سكنت “الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا” صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها.

جاء في موقع المرجح عن الفرق بين العوج والعوج: بالكسر والفتح: الاول في المعاني، والثاني في الاعيان. قال في الكشاف عند تفسير قوله تعالى: “فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا” (طه 107): فإن قلت: الارض عين فكيف صح فيها مكسور العين؟ قلت: اعتبار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الارض بالاستواء ونفي الاعوجاج. وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض وبالغت في تسويتها على عيون البصراء، واتفقوا على أنه لم يكن فيها اعوجاج، ثم استطلعت، رأي المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج لا يدرك بحاسة البصر. فنفى الله ذلك العوج الذي لطف عن الادراك إلا بمقاييس الهندسة. وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس لحق بالمعاني، فقيل: فيه (عوج) بالكسر. (اللغات).

جاء في تفسير الميسر: قوله عز وعلا “يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا” (طه 108) عوج اسم، لا عوج له: لا يعوجُّ له مدعوٌّ ولا يزيغُ عنه، أو لا معدلَ له عنهم، أي عن دعائه لا يَزيفون ولا ينحرفون، بل يسرعون إليه ولا يحيدون عنه. لا عِوَجَ لَهُ: لا يتأخر مدعو ولا يزيغ عنه، في ذلك اليوم يتبع الناس صوت الداعي إلى موقف القيامة، لا محيد عن دعوة الداعي، لأنها حق وصدق لجميع الخلق، وسكنت الأصوات خضوعًا للرحمن، فلا تسمع منها إلا صوتًا خفيًا، و “قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ” ﴿الزمر 28﴾، و “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” ﴿آل عمران 99﴾، و “الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ” ﴿الأعراف 45﴾، و “وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ” ﴿الأعراف 86﴾، و “الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ” ﴿هود 19﴾، و “الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَـٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ” ﴿ابراهيم 3﴾، و “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ ” ﴿الكهف 1﴾، و “لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا” ﴿طه 107﴾ عوجا اسم، فيترك الأرض حينئذ منبسطة مستوية ملساء لا نبات فيها، لا يرى الناظر إليها مِن استوائها مَيْلا ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا. عوجاً: انحرافاً و انعطافاً، أي أن أرض الجنة مستقيمة ليس فيها ميل.

وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز من قائل “لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا” (طه 107) أي: ليس فيها منخفض ولا مرتفع عن عكرمة عن ابن عباس قال الحسن العوج ما انخفض من الأرض والأمت ما ارتفع من الروابي وقيل لا ترى فيها واديا ولا رابية عن مجاهد. وجاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز من قائل “لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا” (طه 107) وجملة (لا عوج) أيمكن أن تكون وصفاً لدعوة هذا الداعي، أو وصفاً لاتّباع المدعوين، أو لكليهما. وممّا يلفت النظر أنّه كما أنّ سطح الأرض يصبح صافياً ومستوياً بحيث لا يبقى فيه أي إعوجاج، فإنّ أمر الله والداعي أيضاً كلّ منهما صاف ومستقيم جلي، واتّباعه واضح لا سبيل لأي إنحراف وإعوجاج إليه.