صديقي .. من طينة البقالين !

حسين الذكر

مررت بسوق الخضار الذي اعشقه حد الاحساس بالامان المتسق مع الفطرة الانسانية مع هؤلاء الكسبة الذين لا يتطلعون الى دنياهم اكثر من سد رمقهم اليومي وتامين احتياجات اسرهم البسيطة مهما تاقت ..

علمية هذا الحب للسوق الشعبي ربما كان لها علاقة وجذور برحلة عمرية معينة عمل فيها والدي رحمها الله في السوق اذ ان الفقراء يضطرون تحت وقع التقلبات السياسية والضغوطات الاقتصادية لتغيير اعمالهم يمارسون عملية التنقل بين المهن بحثا عن رزق كما يعمل البدو تماما سعيا خلف الماء والكلأ .

صلاح ( ابو مصطفى ) صديقي الطيب يعيش على رزق بسطة مؤجرة وسط شوارع السوق الضيقة .. امر للسلام عليه يوميا تقريبا .. وملاطفته واحيانا الشراء منه .. هو يبادلني الاحترام ويسميني استاذ برغم صداقتنا ومعرفتنا القديمة .. تعتريني موجة احساسي دافقة دوما لهؤلاء الكادحين الذين لم اسمع عنهم يوما انهم سرقوا قوتهم برغم مشاكلهم القائمة واحيانا جدالاتهم السوقية ومعاركهم الجانبية التي تعد جزء من محاكاة منلوج يتطلب الجدل حتى العنيف منه لاثبات ذات … تحل بذات الوقت بطريقة ودية .

قبل الانتخابات النيابية الاخيرة في العراق مررت على صلاح سالته مستفزا لعلمي ما يخبأ نحو السياسة وما ينتظر منه ويتطابق مع حال الكادحين في كل زمان .. فقلت : ( هل تشارك بالانتخابات )؟  نظر الي شزرا مع ابتسامة : ( والله استاذ انت تُحكي الصخر .. انا باي حال وتراني منهمك من رحم امي حتى قبري لتحسين حالي واسرتي ودفع ايجار سكني الذي لا اسميه بيتا .. وهذا حالنا منذ عقود لم يتغير منه برغم كل التغيرات والتقلبات السياسية .. فنحن الفقراء لا تعنينا السياسة .. ولا نفكر الا بقوتنا اليومي .. اشبعني اليوم .. وجوعني غدا .. الانتخابات ينتظرها من يعتاش منها … ومن يعطيني مبلغاً سابعيه صوتي ليس حبا او خيارا بل تتبع لقوتنا اليومي وسد احتياجتي التي لا تسد ) .

في السوق الذي يمر به نخب مسؤولون ونواب وضباط واستاذة وشيوخ وعلماء .. لم اسمع احد تقدم بفكرة او اقتراح – لا قبل 2003 ولا بعد – لتطوير البنية التحتية وتنظيم شؤون السوق ولا تحسين حال البقالين . الكل يات ليشتري ما يحتاج فتقدم له خدمات ضخمة وبأسعار زهيدة لا تقارن بالمبذول من قبل مواطنون لم اجد نموذج اصلح وسلامة نية ولا اسخى عطاء منهم اذ يجودون بكل ما يملكون لأبسط المناسبات  .. حتى ثقتهم بأنفسهم والآخر متناهية اذ يتركون بضاعتهم بلا حراسة عند الاستراحة والصلاة … واذا ما وجد نقص فيها حدثوا انفسهم : ( محلل وموهوب لمن أخذ .. وهو محتاج ) !

مررت ببسطة صلاح فلم اجده ، توقعت انه في عمل او سفر ما علما انه لم يسافر من قبل .. لكن تكرار مشهد الغياب جعلني اسال عنه .. فقالوا : ( لقد تعرض لجلطة وهو جليس البيت )! . اتذكر قبل سنة كسرت يده وزرته في البيت فلم اجد في بيته شيء يستحق الذكر الا الجدران والهيكلة من الخارج .. فحاله كحال كل الفقراء من ابناء وطن مثخن بجراحات الحروب والازمات وفساد .. كان وما زال وسيبقى .. فتألمت حزنا على صديقي الفقير جدا حيث لا يملتك الا قوت يومه).

في المرة السابقة بزيارته اخذت معي علبة ( حلويات ) كلفتني حوالي عشرة دولار .. كعيادة مريض رأيتها تتسق مع حالته وحالتي .. ولكن هذه المرة ما أن سمعت بمرضه حتى تساءلت وفكرت .. يا ترى ما الذي اخذ له هذه المرة وكيف أخفف عنه !؟ مع أني لا امتلك اكثر منه الا ( طول اللسان وقدرة المحاورة وربما المناورة ) ..

في ذات السوق .. قبل سنوات كانت هناك بائعة مختصة فقط بالخضرة 🙁 كرفس وكركير وفجل وريحان ونعنان … ) .. كنت لا اودها كونها سليطة اللسان ولا تترك احد يشتري منها او لا يشتري الا وتسمعه شيئا من ثرثرتها التي تطال الجميع بلا وجل وخجل .. تعبر به عن صوت حال بيئتها في السوق .. مع طيبتها كانسانة كانت فقيرة وكل ما امر من قربها اخشى الالتفات اليها كي لا تصفعني ببعض ما تجود به وتختزنه من كلمات خشنة .. الا انها كانت تقرب وتجلس معها بعض المتسولات والمعوقات والمعوزات .. بمنظر تتجلى فيه الرحمة بأبهى صورها .. وكنت اقدم ما أستطيع لادامة ومساعدة هذه ( اللمة ) الفقرائية ولو بصورة غير مباشرة .. خشية من سطوة لسان البقالين ونفاذ صبرهم !