وطن بلا هوية .. و وطنية بلا بوصلة !!

تشظي الهوية العراقية واغتراب المواطن .. : قراءة سياسية-اجتماعية-نفسية

رياض سعد

لم تعد الهوية الوطنية العراقية كيانًا جامعًا متماسكًا، بل غدت هويةً ممزقة، متشظية إلى حدٍّ مخيف، حتى بات الانتماء إلى العراق مسألةً ثانوية أمام الانتماءات الفرعية الطائفية والقومية والمذهبية… ؛  لقد وصل هذا التشظّي إلى مرحلةٍ رأينا فيها عراقيين يذهبون للقتال خارج حدود وطنهم، لا دفاعًا عن العراق ولا عن مصالحه العليا، بل بدافع الولاء الطائفي والقومي ، فقط لأن نظامًا ما يُصنَّف على أنه ينتمي إلى طائفةٍ أو قومية  بعينها، فيُختزل الصراع السياسي المعقّد في معادلةٍ دينية ضيقة وقومية عنصرية .

نعم اضحت الهوية الوطنية العراقية ليست مجرد هوية متصدعة، بل هي هوية مُتشظية إلى حد التمزق الجذري؛ تمزقًا حوَّل الفرد من مواطن إلى رهين انتماءات فرعية طائفية أو قومية أو مذهبية ضيقة… ؛  لقد تجاوز الأمر حالة الانقسام إلى حالة من الاستلاب السياسي والنفسي، حيث بات الفرد العراقي يعيش صراعًا وجوديًا مع وطنه، ويستمد مواقفه ليس من مصلحة العراق الجامع، بل من انحيازات عابرة للحدود...!!

وهكذا، لم تعد الجغرافيا العراقية هي الإطار الناظم للانتماء، بل تحوّلت ساحات الصراع الإقليمي إلى مرايا تعكس انقساماتنا الداخلية… ؛ فترى الكردي يسبّ العربي ويشتمه، لا بسبب خلافٍ عراقي داخلي، بل لأن العرب والكرد يتناحرون في ساحةٍ أخرى خارج الوطن… ؛ فلم يعد الصراع في سوريا، على سبيل المثال، مجرد قضية إقليمية تُتابع من الخارج، بل تحول إلى مسرح بديل تُحسم فيه حسابات داخلية … ؛  وترى العربي السني يشعر بالفرح لانتصار طرفٍ على آخر في بلدٍ مجاور، لا لشيءٍ سوى لأنه يفسّر ذلك الانتصار بوصفه هزيمةً رمزية لشيعة العراق أو لكرده… ؛  في هذه اللحظة، لا يعود الانتصار أو الهزيمة سياسيين، بل نفسيين، مشحونين بثأرٍ متخيَّل وإحساسٍ زائف بالقوة.

من الناحية السياسية، يمكن القول إن الدولة العراقية فشلت، عبر عقود متراكمة، في إنتاج مشروع وطني جامع يتجاوز الهويات الفرعية… ؛  فقد تحوّلت الدولة من حاضنة للمواطنة إلى ساحة صراع بين الهويات، ومن إطار جامع إلى غنيمة تتقاسمها المكونات… ؛ ومع هذا الفشل، نشأت فراغات في المعنى والانتماء، ملأتها الطائفة والقومية والعشيرة، بوصفها بدائل نفسية واجتماعية تمنح الفرد شعورًا بالحماية والاعتراف، وإن كان هذا الشعور قائمًا على نفي الآخر.

أما اجتماعيًا، فقد أدّى هذا التشظّي إلى تآكل الثقة بين مكوّنات المجتمع، وتحوّل الذاكرة الجماعية إلى ذاكرات متصارعة، لكل جماعة سرديتها الخاصة عن المظلومية والحق والعدالة… ؛  لم يعد العراقي يرى في أخيه العراقي شريكًا في المصير، بل منافسًا أو تهديدًا محتملًا… ؛  وهنا تتصدّع فكرة “نحن” الوطنية، لتحلّ محلها “نحن” الطائفية أو القومية، الضيقة والمغلقة.

ومن الزاوية النفسية، فإن الفرد العراقي يعيش اغترابًا مزدوجًا: اغترابًا عن الدولة التي لم تحمه ولم تمثّله، واغترابًا عن الوطن الذي لم يعد يشعر أنه ينتمي إليه بوصفه وطنًا جامعًا… ؛  هذا الاغتراب يولّد سلوكيات تعويضية، كالتماهي المفرط مع الهويات الفرعية، أو الفرح بانكسار “الآخر”، حتى وإن كان هذا الآخر شريكًا في الوطن ذاته… ؛ إنها آلية نفسية للدفاع عن الذات في بيئة مضطربة، لكنها في الوقت نفسه تعمّق الجرح الوطني… .

هذه الآلية النفسية المعقدة – حيث تُستبدل الهوية الجامعة بهويات فرعية عدائية، وتُسقط الصراعات الخارجية على الداخل – تُنتج حالة من الاغتراب الوطني الشامل… ؛  إنها عملية تفكيك منهجية لمعنى “المواطنة”، لتحل محلها ولاءات ما قبل الدولة… ؛  الحقيقة المرة التي يجب مواجهتها هي أن “العراقي” بمعناه المدني الجامع، القادر على تجاوز ذاته الضيقة نحو فضاء وطني مشترك، أصبح نادرًا أو شبه منقرض.

العراقيون الحقيقيون، أولئك الذين حملوا هوية العراق وحدها كشعار، إما قضوا في حروب التشظي هذه، أو رحلوا يحملون جرح الوطن الغائب… ؛  ما تبقى هو جماعات مغلقة على هوياتها: شيعة، سنة، أكراد… كل منها يحمل تاريخًا من المظلوميات والعداوات، وكل منها يرى في الأخرى تهديدًا وجوديًا، وكلها، مجتمعة، تشكل نقيضًا لمشروع الوطن الواحد.

 نحن الذين حَمّلناه أوزار تاريخنا المثقل، ونحن الذين رفضنا أن نصنع منه ملاذًا للجميع… ؛  لقد تخلى الكثيرون عن فكرة العراق ككيانٍ سياسيٍّ جامع، فسقطوا في فخ الهُويات القاتلة التي لا تتعارف إلا من خلال العداء… ؛ فحين تفقد الأمة بوصلة الوطن الجامع، لا تضيع فقط، بل تتحول إلى ساحات متعددة لمعارك هوياتها الميتة، حيث ينتصر الجميع ويخسر العراق… .

الحقيقة المؤلمة التي ينبغي الاعتراف بها هي أن مفهوم “العراقي أو الامة العراقية ” بوصفه هويةً جامعة قد تعرّض لتشويه عميق… ؛ ليس لأن العراقيين غير قادرين على التعايش، بل لأنهم أُنهكوا بحروبٍ وصراعاتٍ وسرديات كراهية جعلت الانتماء للوطن عبئًا بدل أن يكون مصدر فخر.

نعم , العراقيون الذين حملوا الهوية الوطنية بوصفها قيمةً عليا إمّا رحلوا عن هذا البلد، أو أُقصوا، أو صمتوا تحت وطأة العنف والإحباط… ؛  أما نحن اليوم، فكثيرًا ما نعرّف أنفسنا بوصفنا شيعة أو سنة أو كردًا قبل أن نكون عراقيين، وكأن العراق صار تفصيلاً زائدًا في تعريف الذات.

إن أمةً بلا بوصلة وطنية واضحة، وبلا مشروع جامع، محكومٌ عليها بالضياع والتشرذم… ؛  ولا يمكن إنقاذ الهوية الوطنية العراقية إلا بإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، وبناء دولة عادلة لا تُكافئ الانتماء الفرعي بل تحتضنه ضمن إطار وطني أوسع… ؛ فالعراق، في جوهره، ليس بريئًا منا ولا متبرئًا، بل جريحٌ بنا جميعًا، ينتظر لحظة وعيٍ تعيد إليه اسمه ومعناه.