خارج الحسابات

خارج الحسابات

كتب رياض الفرطوسي

ليس ما نخطط له هو ما يصنع التحوّلات، بل ما يتسرّب من بين أصابع التخطيط، ما يحدث حين نعتقد أن المشهد اكتمل، وأن الاحتمالات استُهلكت، وأن الطريق صار معروفاً إلى حدّ الملل.

خارج الحسابات تولد اللحظات الحاسمة. هناك، حيث لا نضع إشارات، ولا نعدّ الخطوات، ولا نثق كثيراً بالنتائج.

في تلك المساحة الرمادية بين اليقين والفراغ، تحدث المفاجآت. ليس بوصفها معجزات، بل كتصحيح صامت لمسارٍ بالغ الثقة بنفسه.

حين يخلو الأفق، وتبدو الحياة كصحراء مدروسة القسوة، يتحوّل السراب إلى عادة، ونكفّ عن انتظار شيء حقيقي. لكن خارج الحسابات، يظهر ما لم يكن مدعواً: صوت، فكرة، تفصيل صغير يقلب ترتيب المشهد كله.

الهدايا التي لا تُنتظر لا تحمل قيمة مادية كبرى، لكنها تحمل أثراً مقلقاً. لأنها لا تأتي لتؤكّد ما نعرفه، بل لتربكه. والإرباك، في لحظات كثيرة، أصدق من الطمأنينة المصنوعة.

في الفن، كما في التاريخ، تفصيلة طارئة قد تغيّر المعنى كله. ضربة فرشاة زائدة، جملة خارجة عن النص، حادثة هامشية تتسلل إلى المتن وتفرض نفسها بوصفها مركزاً جديداً.

هكذا تتحرك الأفكار الكبرى: لا من القاعات المغلقة، بل من شقوق الجدران. لا من الخطابات المكتملة، بل من العثرات، ومن الأسئلة التي لم يُخطط لطرحها.

حتى في أقسى الظروف، تُصرّ الحياة على الظهور من حيث لا يُسمح لها. نبات يشقّ الحديد، معنى يخرج من بين الركام، كأن الوجود نفسه يمارس فعلًا عنيداً ضد الإلغاء.

لكن خارج الحسابات لا يعني دائماً خلاصاً. فبعض المفاجآت تكشف لا تنقذ. تفضح ما حاول الزمن تلميعه.

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول القناع إلى نظام، وأن يصبح الزيف مألوفاً، وأن يُدافع عنه بصفته استقراراً.

حين تطول الإقامة داخل القناع، يُنسى الوجه. وتتحول العودة إلى تهديد، لا إلى خلاص.

محاولة استعادة المعنى، سواء لفرد أو جماعة، تُقابل دوماً بمقاومة. لأنك لا تزعزع صورة فحسب، بل تُربك سردية كاملة عاشت طويلًا على وهم الاتساق.

الرجوع مكلف. يتطلب تفكيكاً بطيئاً لأفكار مريحة، وأساطير نافعة، ويقينيات صلبة المظهر، هشة الجوهر.

ومن يتأخر في العودة، يكتشف أن المسافة أطول، وأن الثمن أعلى، وأن البداية كانت أبسط مما صُوّر له.

في المسار الإنساني الطويل، تكثر الأقنعة، وتقلّ الوجوه. وتُخاض معارك كثيرة تُسمّى انتصارات، بينما تُدفن الخسائر الأخلاقية تحت لغة لامعة.

لكن الهزيمة الأشد، تلك التي لا تُعلن، هي الفشل في استعادة الإنسان من صورته المزوّرة، ومن المعنى حين يُختطف.

لهذا بالضبط، يبقى ما يحدث خارج الحسابات هو الأهم. لأنه وحده يملك الجرأة على كسر النسق، وفتح ثغرة في نظامٍ اكتمل زيفه.