رياض سعد
**سقوط المماليك وفتح مصر على يد السلطان سليم الأول: حقيقة تاريخية معتمدة
في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، دخلت الدولة العثمانية مرحلة توسّع واسعة في الشرق الأوسط تحت قيادة السلطان سليم الأول (حكم 1512–1520م)، الذي قاد حملات عسكرية هامة امتدت إلى الشام ومصر.
**السياق التاريخي لموقعة الريدانية
بعد أن أنهى السلطان سليم الأول حملاته في الشام وهزم جيوش المماليك هناك، توجه نحو مصر، التي كانت في تلك الفترة تسيطر عليها الدولة المملوكية بقيادة السلطان طومان باي الثاني.
وقعت معركة الريدانية في 22 يناير 1517م بين الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول وجيش المماليك بقيادة طومان باي بالقرب من القاهرة… ؛ و كانت هذه المعركة حاسمة في النزاع بين الدولتين، إذ اعتمد العثمانيون على تكتيكاتها العسكرية والمدفعية المتقدمة بينما كان المماليك يعتمدون على طرق القتال التقليدية… ؛ وبعد بعد قتال شديد، انتهت المعركة بانتصار العثمانيين، مما مهد لدخولهم إلى القاهرة والسيطرة على العاصمة، ومن ثم سقوط الدولة المملوكية في مصر وضمها إلى الإمبراطورية العثمانية.
**دخول العثمانيين القاهرة وسيطرة سليم الأول
بمجرّد انتهاء المعركة، دخلت قوات سليم الأول مدينة القاهرة… ؛ وتشير المصادر التاريخية إلى أن البعض من قادة المماليك مثل طومان باي قد أُعدم، وتم تعليق رأسه على باب من أبواب المدينة كرمز لانهيار حكمه… ؛ وتحوّل سقوط القاهرة إلى حدث تاريخي فارق، إذ أنهى حكم المماليك وسيطرة الدولة العثمانية على مصر لفترة طويلة امتدت لقرون.
**التقارير التاريخية عن الأحداث في المدينة
يروى في المصادر التاريخية، ومن بينها ما ورد في كتاب المؤرخ المصري ابن إياس (بدائع الزهور في وقائع الدهور)، أن دخول الجيش العثماني تزامن مع أعمال عنف وفوضى في شوارع القاهرة… ؛ ابن إياس، وهو مؤرخ عاش في القاهرة في تلك الحقبة، يصف في كتابه مشاهد عنف ونهب وخراب بعد دخول القوات العثمانية.
اذ قال : «وصارت الجُثث مرمية في الشوارع، وقد تناهشت الكلاب أجسادهم، فما عادت تؤذي أحدًا… فقد شبعت»
نعم , منذ نحو خمسة قرون، وفي أيامٍ سوداء من تاريخ القاهرة، شهدت مصر واحدة من أفظع المذابح التي عرفتها عاصمتها، على يد الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول... .
نعم… السفاح سليم الأول نفسه، الذي حمل اسمه أحد شوارع القاهرة حتى وقت قريب...!!
فبعد انتصاره على المماليك في مرج دابق بالشام سنة 1516م، واصل زحفه نحو مصر، ليهزم الجيش المملوكي في معركة الريدانية شرق القاهرة يومي 22 و23 يناير 1517م، ثم دخل العاصمة في 26 يناير، معلنًا خضوعها للحكم العثماني , كما اسلفنا .
لكن ما إن وطئت أقدام جنوده أرض القاهرة، حتى تحوّلت المدينة إلى مسرح مفتوح للفوضى والقتل… ؛ اذيروي المؤرخ المصري ابن إياس، شاهد العيان على تلك الأحداث، في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور:
“دخل السلطان سليم القلعة ومعه عسكره، وكانوا كثيرين جدًا، ونزلوا بالحسينية والجمالية وأماكن كثيرة، ينهبون الدور ويقتلون الناس في الشوارع بلا ذنب.”
في ذلك اليوم وحده، قُتل ما يقارب عشرة آلاف مصري من رجال ونساء وأطفال، رغم أن المعارك كانت قد انتهت، وأن القاهرة أصبحت بالفعل تحت السيطرة العثمانية.
ويصف ابن إياس مشاهد تقشعر لها الأبدان:
“رأيت بعيني جنديًا من الإنكشارية يخطف طفلًا من يد أمه، ويطرحه أرضًا، ويضع قدمه على عنقه حتى مات.”
ويقول أيضًا:
“كنت أراوغ بين الجثث، أبحث عن وجه أعرفه، فأجد عينًا مفتوحة لا تُطرف، ويدًا مقطوعة لا تتحرك.”
لم يُسمح للناس بدفن موتاهم. تُركت الأجساد أيامًا في الطرقات، ومن حاول دفن قريبٍ له لقي المصير نفسه.
حتى قال ابن إياس:
“وصارت الجُثث مرمية في الشوارع وقد تناهشت الكلاب أجسادهم، فما عادت تؤذي أحدًا، فقد شبعت.”
ورأى كلبًا يجر ذراعًا مقطوعة، فعرف من كفّها أنها لامرأة كانت تبيع الخبز عند باب زويلة...
ساد الصمت القاهرة… ؛ أُقيمت الصلوات بلا أذان… ؛ وفي الأزهر، وقف قلة من المصلين بملابس ملطخة بالدماء، بينما قال الخطيب بصوت منكسر:
“الحمد لله على نصر السلطان…!!”
وبعد ثلاثة أيام، أمر سليم الأول بإلقاء الجثث في النيل، حتى تغيّر لون مياهه من كثرتها… ؛ ولم تتوقف الجرائم عند القتل... ؛ فقد اقتحم الجنود السجون وأطلقوا المساجين ليشاركوا في النهب والاعتداء… ؛ و اجتاح العثمانيون البيوت، وسرقوا أموال التجار والأمراء، ونهبوا الغلال والطواحين والدواب.
حتى المساجد لم تسلم… ؛ فقدانتهكت حرمة مسجد السيدة نفيسة، وربطت الخيول عند الضريح، وسُرقت القناديل والفضيات، ونُزع الرخام… ؛ وتكرر المشهد في مسجد السيدة زينب، والأزهر، وابن طولون، والحاكم بأمر الله، وغيرها… ؛ نُهبت المنابر والأعمدة النحاسية والمشربيات، وحُمِل كل ما له قيمة إلى إسطنبول.
وتذكر المصادر أن سليم الأول غادر مصر ومعه نحو ألف جمل محمّلة بالذهب والفضة والرخام والحرير... ؛ لكن الجريمة الأكبر لم تكن في سرقة الممتلكات فقط… بل في سرقة البشر...!!
أمر السلطان بجمع آلاف المصريين من أصحاب الحِرف والصناعات والقضاة وكبار التجار، وشحنهم قسرًا إلى القسطنطينية. غرق بعضهم في الطريق، ومن وصلوا أُجبروا على بناء عاصمة الإمبراطورية العثمانية.
أكثر من خمسين حرفة مصرية اندثرت في تلك الفترة: نحت الرخام، صناعة القناديل الفضية، الأبواب النحاسية، المنابر المزخرفة، الزجاج الملوّن، كسوة الكعبة، بلاط الكاشي… وغيرها...
في أربعة أيام فقط، جُرّدت مصر من دمائها، وثرواتها، وعقولها...!!
وهكذا دخل العثمانيون القاهرة… لا بوصفهم “خلفاء”، بل غزاة حملوا السيف بيد، والنهب بالأخرى، وتركوا خلفهم مدينة منكوبة، وتاريخًا لا يمكن تلميعه مهما تغيّرت الروايات... (1)
……………………………………
- الكاتب المصري محمود عوض في صفحته على الفيس بوك / بتصرف