رياض سعد
**مقدمة : تحليل سيكوسوسيولوجي لفساد البيئة الإدارية في البيروقراطيات المتصلبة
تشكل الممارسات الإدارية المشوهة في بعض الدوائر الحكومية نموذجاً كلاسيكياً لـ “الانتهاك التنظيمي المؤسسي”، حيث تتحول البنى الإدارية من أطر خدمية إلى أنظمة شبه مغلقة تسودها علاقات قوى مرضية… ؛ و هذا التحليل يستقصي الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة، متجاوزاً الوصف السطحي إلى التعمق في الجذور البنيوية والسلوكية التي تُنتج ثقافة التدمير الذاتي داخل المؤسسة و الدائرة الحكومية في العراق .
تُعد الإدارة أحد أهم المحددات البنيوية لنجاح المؤسسات العامة أو فشلها، إذ لا تقتصر وظيفتها على تنظيم الموارد وتوزيع المهام، بل تمتد لتشكّل المناخ النفسي والاجتماعي الذي يعمل ضمنه الأفراد… ؛ غير أن واقع كثير من الدوائر الحكومية يكشف عن نمط قيادي مضطرب يمكن تصنيفه ضمن ما يُعرف في علم النفس التنظيمي بـ القيادة السامة (Toxic Leadership)، وهو نمط يُنتج بيئات عمل مشحونة، ويقوّض الثقة، ويستنزف الطاقات البشرية بصورة ممنهجة ... .
نعم , من أخطر مظاهر التدهور الإداري في كثير من الدوائر الحكومية ليس ضعف التخطيط أو قلة الموارد فحسب، بل تحوّل المدير نفسه إلى مصدر توتر وتفكك داخل المؤسسة أو الدائرة ؛ فبدل أن يكون قائدًا يجمع الطاقات ويوجهها، يغدو — في حالات كثيرة — محورًا لإشاعة الريبة، وتأجيج الصراعات، وتكريس ثقافة الوشاية والتسقيط …!!
** الآليات النفسية لسلوك المدير – الهشاشة الأنوية والاستعلاء التعويضي
نرى بعض المدراء يشجّعون الموظفين، صراحة أو ضمنًا، على اغتياب سمعة بعضهم بعضًا، ويزرعون بينهم “آذانًا” تنقل الأخبار كما لو أن المؤسسة دائرة أمنية قمعية لا مرفقًا خدميًا أو مهنيا ؛ يستمتع المدير بسماع الروايات السلبية، ويتعامل معها وكأنها كنز ثمين، فيُغذّي الانقسام ويصنع مناخًا مسمومًا قوامه الشك والخوف… ؛ وما إن يخرج أحد الموظفين من اجتماع حتى تنهال عليه الاتهامات والانتقاصات، وتُنسب إليه كل مثلبة ممكنة، بينما يجلس المدير مبتسمًا، مصغيًا بشغف… ؛ ثم، حين يعود الموظف ذاته إلى الغرفة، تتبدل الوجوه فجأة: ابتسامات مصطنعة، تحايا باردة، ومجاملات خاوية، وكأن شيئًا لم يكن...!!
هذه الازدواجية السلوكية ليست مجرد نفاق اجتماعي عابر، بل هي نتاج بيئة عمل مختلة، يُكافأ فيها التملق ويُعاقَب فيها الصدق، وتُرفع فيها قيمة القيل والقال على حساب الكفاءة والإنجاز.
يمكن تفسير سلوك المدير الذي يحفز النميمة والتجسس من خلال عدسة “عقدة النقص” (Inferiority Complex) كما صاغها أدلر، والاستجابة لها بـ “التعويض المفرط” (Overcompensation)… ؛ اذ يشعر المدير غير الكفء بهشاشة في مكانته، فيعوض عن هذا الإحساس باللجوء إلى آليات سُلطوية بدائية… ؛ إن تحويل المكتب إلى “مسرح بانوبتيكون” – حيث يشعر الجميع بالمراقبة الدائمة – يمنح المدير إحساساً واهماً بالسيطرة والتفوق… ؛ استمتاعه بسماع “أخبار الموظفين السيئة” هو تعبير عن “اللذة السادية التنظيمية”، وهي آلية دفاعية لا شعورية تحول عجزه الإداري إلى تفريغ عنف رمزي على المرؤوسين، مما يعزز لديه وهم القدرة...!!
نعن , من أبرز سمات هذا النمط الإداري تشجيع ثقافة الوشاية والاغتياب، سواء بصورة مباشرة أو عبر الإيحاء الضمني… ؛ إذ يعمد بعض المدراء إلى تحويل الموظفين إلى أدوات مراقبة لبعضهم البعض كما اسلفنا ، فيزرعون بينهم جواسيس صغارًا، ويكافئون من ينقل الأخبار السلبية، فيتحول مكان العمل إلى فضاء أمني مغلق لا مؤسسة خدمية أو دائرة مهنية … ؛ وبهذا تُستبدل روح الفريق بمنطق الشك، ويُستبدل التعاون بالمنافسة المرضية.
**الديناميات الاجتماعية السامة – انهيار رأس المال الاجتماعي وبروز “الثقافة الازدواجية”
من منظور علم النفس الاجتماعي، يُنتج هذا السلوك ما يُعرف بـ تفكك الهوية الجماعية؛ حيث يفقد الموظفون إحساسهم بالانتماء للمؤسسة والدائرة الحكومية ، ويحل محله شعور دائم بالتهديد… ؛ ومع تكرار هذا النمط، تتشكل ازدواجية سلوكية واضحة: تسقيط في الغياب، ومجاملات في الحضور، ابتسامات مصطنعة تخفي خلفها خوفًا متراكمًا وعداءً مكتومًا… ؛ وهي حالة تُعرف في الأدبيات النفسية بـ النفاق التنظيمي، حيث يضطر الفرد إلى ارتداء أقنعة متعددة حفاظًا على بقائه الوظيفي… ؛ مما يؤدي الى الحكومية ظاهرة استشراء ثقافة التآكل الداخلي، حيث يعمد بعض المديرين إلى تحفيز بيئة عمل مسمومة … ؛ في هذا المناخ المشوّه، يجد المدير المتعة في استماعه للأخبار السيئة عن موظفيه، ليصنع من نفسه صورة “الملاك الهابط” أو “الحَكَم” بين مجموعة يصورها على أنها أدنى منه…!!
ويؤدي هذا السلوك القيادي إلى تفكيك “رأس المال الاجتماعي” (Social Capital) داخل المؤسسة، والذي يتمثل بالثقة والشبكات التعاونية والقيم المشتركة… ؛ بدلاً من ذلك، تُستبدل هذه القيم بـ “اقتصاد النميمة” كعملة تبادل اجتماعي… ؛ هنا، تظهر “الثنائية السلوكية” (Behavioural Duality) بوضوح: فالموظف يتحول إلى كائن ازدواجي، يمارس “التجسس والتسقيط” خلف الأبواب، و”المجاملة والابتسام” وجهاً لوجه… ؛ هذه الآلية لا تعكس نفاقاً فردياً فحسب، بل هي استجابة تكيفية (وإن كانت مَرَضية) لبيئة عمل قائمة على “العقلية القبلية” (Tribal Mentality)، حيث الولاء للمدير والانخراط في شبكة التشويه يصبح شرطاً للبقاء، مما يُنتج حالة من “الاغتراب التنظيمي” (Organizational Alienation) بين الأفراد... .
**سرقة الإنجاز الفكري كشكل من “العنف الرمزي”
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد… ؛ فكم من مدير يصادر جهود موظفيه وخبرائه ومساعديه ، فيحوّل أفكارهم وخططهم ومشاريعهم إلى “إنجازات شخصية”، يرفعها إلى الإدارة العليا أو الوزارة باسمه، ليحصد الجوائز وكتب الشكر والمكافآت، بينما يبقى الموظف المجتهد أشبه بجندي مجهول، لا يُذكر اسمه ولا يُثمَّن عطاؤه… ؛ وهكذا يبقى ؛ أصحاب الجهد الحقيقيين في الظل، بلا اعتراف أو تقدير… ؛ و هذا السلوك لا يقتل الدافعية فحسب، بل يرسّخ شعورًا جماعيًا بالظلم واللاجدوى، ويدفع الكفاءات إما إلى الصمت القاتل أو إلى الانسحاب النفسي من العمل.
هذا السلوك، بحسب نظريات الدافعية (Motivation Theory)، يؤدي إلى تآكل الحافز الداخلي لدى الموظف، ويزرع شعورًا عميقًا بالغبن، ما يدفع الكفاءات إما إلى الانسحاب النفسي الصامت أو إلى تبني أداء حدّه الأدنى، في ظاهرة تُعرف بـ الاحتراق الوظيفي (Burnout).
نعم , تمثل عملية انتحال جهود الموظفين ونسبتها للمدير شكلاً صارخاً من “العنف الرمزي” (Symbolic Violence) كما نظر له بيرديو… ؛ إنها ليست سرقة مادية فحسب، بل هي استلاب للهوية المهنية وإبطال للذات الفاعلة… ؛ اذ يتحول الموظف “المجهول” إلى مجرد أداة قابلة للاستنزاف، بينما يكرس المدير نظاماً من “الاستغلال البطرياركي”، حيث تُصادر جهود “التابعين” لتعظيم مكانة “السيد”… ؛ و هذا السلوك لا يهدر الطاقة البشرية فحسب، بل يقتل الإبداع ويُعطل “الدافع الجوهري” (Intrinsic Motivation)، ويحول المؤسسة إلى مكان يربح فيه الانتهازي ويفشل فيه المخلص.
** تضخيم الهفوات كآلية لخلق “الأزمة الدائمة”
ولكي يستر المدير الفاشل عجزه ويخفي فساده، يعمد إلى تضخيم أبسط الهفوات التي قد تصدر من الموظفين عفواً أو خطأً غير متعمد، محوّلاً زلة بسيطة إلى أزمة مؤسسية تستدعي اجتماعات طارئة وعقوبات مجحفة… ؛ كل ذلك ليغذي وهم الأهمية الذي يبحث عنه، وليشبع غروره الفارغ بإحساس زائف بالقيمة والسلطة.
تحويل الخطأ البسيط إلى كارثة وطنية هو آلية قيادية تعرف في الأدبيات الإدارية بـ “إدارة الأزمة المصطنعة” (Manufactured Crisis Management). الهدف ليس تصحيح الأداء، بل تحقيق غايات نفسية ومصلحية:
1. إشباع النرجسية: يشعر المدير الفارغ من الإنجاز الحقيقي بأهميته عندما يتحول إلى “المُنقذ” الذي يدير اجتماعات طارئة.
2. إلهاء المؤسسة: تحويل الانتباه عن فشله المستتر وفساده المحتمل عبر خلق عدو داخلي (الموظف المخطئ).
3. ترهيب الجميع: تأكيد هيمنته من خلال إظهار قدرته على تحويل أي فرد إلى “كبش فداء” في أي لحظة.
ومن زاوية نفسية، غالبًا ما يكون هذا النمط الإداري انعكاسًا لهشاشة داخلية لدى المدير نفسه… ؛ فالفاشل إداريًا، والعاجز عن بناء فريق متماسك، يلجأ إلى تضخيم الأخطاء الصغيرة وتحويل الهفوات الاعتيادية — التي تقع بطبيعتها في أي بيئة عمل — إلى “كوارث وطنية”، تستدعي الاجتماعات الطارئة والعقوبات القاسية… ؛ و لا يفعل ذلك حرصًا على النظام، بل لإخفاء فشله، وإشباع غروره الفارغ، وإقناع نفسه والآخرين بأنه صاحب سلطة وقيمة , كما اسلفنا .
اجتماعيًا، تؤدي هذه الممارسات إلى تفكك الروابط المهنية، وتحويل المؤسسة إلى ساحة صراع خفي، حيث ينشغل الموظفون بالدفاع عن أنفسهم بدل التركيز على خدمة المواطن والوطن .
نفسيًا، تتراكم لدى الكادر مشاعر الإحباط، والقلق، وانعدام الأمان الوظيفي، ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية والصحة النفسية العامة.
نعم , هذه الآليات لا تعكس فشلاً إدارياً فحسب، بل تكشف عن اختلالات عميقة في البنى النفسية والاجتماعية: فهي تُظهر مديراً يعاني من هشاشة نفسية يغطيها بسلطوية متعالية، وتُبرز بيئة عمل مبنية على انعدام الثقة والخوف بدلاً من التعاون والإنتاجية… ؛ كما تكشف عن مؤسسات تفتقر إلى آليات الحوكمة الرشيدة والمساءلة الشفافة، مما يسمح بتحولها إلى مسارح لصراعات الأنا الصغيرة بدلاً من فضاءات لخدمة المصلحة العامة.
والنتيجة الحتمية هي استنزاف للطاقات البشرية، وترسيخ لثقافة الانتهازية والرياء، وهدر للموارد العامة، وتحويل المؤسسات من أدوات للتطوير إلى أدوات للقمع والتهميش… ؛ إن معالجة هذا الداء تتطلب أكثر من مجرد تغيير أفراد؛ فهي تستلزم إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يعيد هندسة العلاقات الوظيفية على أسس من العدالة والشفافية والاحترام المتبادل.
**الخلاصة: من المؤسسة الخادمة إلى النظام الشمولي المصغر
في مجملها، تشكل هذه الممارسات تحولاً جوهرياً في طبيعة المؤسسة… ؛ فهي لم تعد كياناً يرتكز على “العقلانية القانونية” (Legal-Rational Authority) كما عرفها ماكس فيبر، بل تتحول إلى “نظام شمولي مصغر” (Miniature Totalitarian System)… ؛ و تذمر الموظفين ليس مجرد شكوى من فرد، بل هو صوت “اللاوعي الجمعي” للمؤسسة ينعي موت قيم النزاهة والإنصاف فيه… ؛ إنه انعكاس لصراع أعمق بين بنية إدارية فاسدة وبقايا الضمير المهني عند الأفراد.
إن علاج هذا “الخراب المؤسسي” يتطلب تدخلاً على مستويات ثلاثة: نفسي (فحص واختيار القادة بناء على الصلاحية النفسية والكفاءة)، واجتماعي (إعادة بناء الثقة عبر آليات شفافة للمساءلة والمكافأة)، وهيكلي (تفكيك مركزية السلطة المطلقة وخلق أنظمة رقابية مستقلة)… ؛ فالمؤسسة المريضة نفسياً واجتماعياً لا يمكن أن تنتج إلا خدمة مشوهة، وهي صورة مكلفة لا تدفع ثمنها الميزانيات فحسب، بل تدفعها كرامة الإنسان وفاعلية الدولة معاً.
فالإدارة، في جوهرها، ليست سلطة بل وظيفة أخلاقية ومهمة وطنية … ؛ والمدير الحقيقي هو من يبني بيئة آمنة نفسيًا، تعترف بالجهد، وتحتضن الخطأ بوصفه فرصة للتعلم، وتُعلي من قيمة الحوار والعدالة… ؛ أما حين تتحول القيادة إلى أداة إذلال وسرقة معنوية وتفريغ ممنهج للطاقات، فإن المؤسسة لا تخسر موظفيها فحسب، بل تخسر رسالتها الاجتماعية، ويدفع المجتمع لاحقًا ثمن هذا الانهيار الصامت.