إيهاب مقبل
منذ سنوات طويلة، لا تنظر تركيا إلى وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمال العراق بوصفه مشكلة حدودية عابرة، بل تعتبره امتدادًا مباشرًا لصراع وجودي تخوضه داخل أراضيها منذ عقود. فالحزب، المصنّف تنظيمًا إرهابيًا لدى أنقرة وعدد من الدول، لم يكتفِ بالنشاط السياسي أو الدعائي، بل بنى بنية عسكرية عابرة للحدود، مستفيدًا من هشاشة الدولة العراقية وتعقيد المشهد الأمني في شمال البلاد.
بالنسبة لتركيا، لم تعد الحدود الجغرافية تشكل حاجزًا حقيقيًا أمام التهديدات الأمنية. فالهجمات التي تنفَّذ داخل الأراضي التركية، وفق الرواية الرسمية، تنطلق من معسكرات وقواعد تقع في جبال قنديل وسنجار ومناطق أخرى داخل العراق. وعليه، ترى أنقرة أن انتظار بغداد لحسم هذا الملف، بعد سنوات طويلة من الوعود غير المنجزة، بات خيارًا مكلفًا أمنيًا وسياسيًا.
الأمن القومي التركي وحق الدفاع عن النفس
في منطق الدول، لا يُعد الأمن القومي ملفًا قابلًا للمساومة أو التأجيل. فكل حكومة تركية، مهما اختلفت توجهاتها السياسية، تجد نفسها أمام رأي عام لا يقبل استمرار سقوط جنود ومدنيين بذريعة احترام حدود دولة مجاورة عاجزة عن ضبط أراضيها. ومن هذا المنطلق، تستند تركيا إلى مبدأ الدفاع عن النفس في القانون الدولي، خصوصًا عندما يكون التهديد مستمرًا ومباشرًا ومنطلقًا من أراضٍ لا تمارس الدولة المضيفة سيطرة فعلية عليها.
ورغم الجدل القانوني والسياسي حول هذا التفسير، فإن الواقع الدولي يُظهر أن هذا المبدأ يُستخدم على نطاق واسع، وغالبًا ما يُتقبَّل عندما تعجز الدولة المعنية عن معالجة الخطر بنفسها. في هذا السياق، ترى أنقرة أن تحركاتها ليست خيارًا توسعيًا، بل ضرورة فرضتها الوقائع الميدانية.
الأساس القانوني الدولي للتحرك التركي
إلى جانب الاعتبارات الأمنية والسياسية، تستند تركيا في تحركاتها العسكرية إلى إطار قانوني دولي لا يمكن تجاهله. فالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تكرّس الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح، وهو حق لم يعد محصورًا في مواجهة جيوش نظامية، بل امتد في الممارسة الدولية الحديثة ليشمل التهديدات الصادرة عن فاعلين غير دولتيين، عندما تكون الدولة التي ينطلق منها التهديد عاجزة عن منعه أو غير راغبة في ذلك.
وفي هذا السياق، طوّرت عدة دول كبرى ما يُعرف بمبدأ “الدولة غير القادرة أو غير الراغبة”، والذي يجيز للدولة المتضررة اتخاذ إجراءات دفاعية محدودة داخل أراضي دولة أخرى، إذا ثبت أن تلك الدولة لا تمارس سيطرة فعلية على المناطق التي تُستخدم منصة لشن هجمات مسلحة. وبالنظر إلى الواقع العراقي، حيث تعترف الحكومة نفسها بتعقيد المشهد الأمني وضعف السيطرة على بعض المناطق الشمالية، ترى أنقرة أن هذا الشرط متحقق، وأن تحركاتها تندرج ضمن الدفاع الوقائي، لا ضمن خرق متعمد للسيادة.
ولا يعني ذلك إلغاء مبدأ السيادة أو التقليل من أهميته، بل يعكس تحولًا في فهمه، من مفهوم جامد قائم على الحدود، إلى مفهوم وظيفي يرتبط بقدرة الدولة على منع استخدام أراضيها للإضرار بالآخرين. وفي عالم باتت فيه التنظيمات المسلحة العابرة للحدود فاعلًا رئيسيًا، أصبح هذا التفسير واقعًا عمليًا، وإن ظل محل جدل قانوني وسياسي.
سيطرة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق ودوره التخريبي
تعتبر جبال قنديل في شمال العراق منذ الحرب الأهلية الكردية 1994–1997 القاعدة الأبرز لتنظيم حزب العمال الكردستاني، وهو حزب تركي يخوض صراعًا مسلحًا طويل الأمد ضد تركيا. تشير التقارير إلى وجود المئات من المقاتلين الأجانب في هذه المنطقة، بينهم قادة بارزون يشكلون العمود الفقري للقيادة السياسية والعسكرية للحزب، أبرزهم مصطفى كاراسو، مراد قرايلان، جميل بايق، ودوران كالكان. هؤلاء القادة ليسوا مجرد قيادات سياسية، بل يمتلكون خبرة طويلة في التخطيط العسكري والتنظيمي، وكانوا مسؤولين عن سلسلة من العمليات المسلحة والهجمات التي أودت بحياة مئات المدنيين والجنود.
وجودهم في العراق يعكس ضعف الدولة العراقية في فرض سيادتها على شمال البلاد، ويجعل الصورة العامة للعراق أمام الخارج هشة وضعيفة في مواجهة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود. ويُقدر أن حزب العمال الكردستاني يسيطر عمليًا على نحو 500 قرية وموقع استراتيجي في شمال العراق، ويستخدمها كمنصات لإطلاق هجماته على تركيا، ما يعزز موقف أنقرة في اعتبار تدخلها ضروريًا وأمنيًا بحتًا.
تأثير الحزب على العراق
وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق له تأثيرات واسعة ومعقدة على مختلف الأصعدة. من الناحية العسكرية، تُعد جبال قنديل ومناطق الشمال منصة انطلاق لهجمات على تركيا والدول المجاورة، ما يجعل المنطقة هدفًا دائمًا للغارات الجوية والعمليات العسكرية التركية. سياسيًا، يضع الحزب الحكومة العراقية والإدارة الإقليمية تحت ضغط مستمر ويعيق جهود التنسيق مع أنقرة، ما يفاقم الخلافات الداخلية ويجعل بغداد تبدو ضعيفة في إدارة الملف الأمني. من الناحية الأمنية، تشكل الشبكات الواسعة التي أنشأها الحزب تهديدًا مباشرًا للسيطرة على الحدود، وتزيد من احتمالية تدفق مقاتلين جدد إلى المنطقة، مما يعقد فرض القانون والنظام. كما أن نشاطه العسكري يؤثر اقتصاديًا، حيث يؤدي إلى تعطيل المشاريع الاستثمارية والتنموية ويضر بالبنية التحتية الحيوية، مفاقمًا هشاشة الشمال العراقي. على المستوى الإقليمي، يشكل الحزب جزءًا من شبكة أكبر تشمل حزب بيجاك في إيران وقسد في سوريا، مما يحول العراق إلى ساحة تأثير إقليمية حساسة ويزيد من تعقيد الوضع الأمني والسياسي في البلاد.
لماذا يغضب العراق؟
الغضب العراقي لا ينبع فقط من العمليات العسكرية، بل من الشعور بالإحراج السياسي. فالتصريحات التركية التي تتحدث عن غياب “الإرادة السياسية” في بغداد تُقرأ داخليًا على أنها تشكيك مباشر بقدرة الدولة وهيبتها. كما أن أي تنسيق علني مع تركيا ضد حزب كردي مسلح يحمل مخاطر داخلية، نظرًا لحساسية الملف الكردي وتشابكاته السياسية والاجتماعية.
لكن هذا الغضب، في كثير من الأحيان، يتحول إلى خطاب سيادي لا يرافقه فعل ميداني حاسم. فبدل معالجة جذور المشكلة، يُكتفى بإدانة التدخل الخارجي، بينما يبقى التنظيم المسلح في مكانه، وتبقى الذريعة قائمة.
بمقدور تركيا بكل تأكيد أن تفهم غضب العراق سياسيًا، لكنه لا يغيّر حقيقة أساسية: “السيادة لا تُقاس بالخطاب، بل بالقدرة على فرض القانون ومنع التهديدات العابرة للحدود”.
ازدواجية المعايير في تقييم التحركات التركية
من اللافت أن التحركات التركية تُواجَه بانتقادات حادة، في وقت تُظهر فيه الساحة الدولية قدرًا كبيرًا من التفهّم لعمليات عسكرية عابرة للحدود تنفذها دول أخرى تحت عناوين مشابهة. هذه الازدواجية تطرح تساؤلات حول ما إذا كان الاعتراض موجّهًا حقًا إلى المبدأ، أم إلى الدولة التي تطبّقه.
فإذا كان المجتمع الدولي يتعامل بمرونة مع عمليات “وقائية” تنفذها قوى كبرى، فإن استنكار التحرك التركي ضد تنظيم مسلح إجرامي يهدد أمنه المباشر يبدو، من وجهة نظر أنقرة، انتقائيًا وغير متوازن.
خاتمة: بين الأمن القومي التركي وعجز الدولة العراقية
في النهاية، يظهر جليًا أن تدخل تركيا في شمال العراق ليس خيارًا توسعيًا، بل استجابة حتمية للتهديد المستمر الذي يمثله حزب العمال الكردستاني، التنظيم التركي المصنف إرهابيًا دوليًا، والذي يسيطر على مئات القرى العراقية ويستغل شمال العراق كمنصة لانطلاق عملياته المسلحة ضد تركيا. فغياب السيطرة الفعلية للحكومة العراقية على هذه المناطق، وانتشار قيادات الحزب في جبال قنديل، يعكس هشاشة الدولة ويجعلها عاجزة عن حماية حدودها أو فرض سيادتها بشكل كامل.
من منظور أنقرة، يمثل الدفاع عن النفس التزامًا قانونيًا وأمنيًا، يستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ “الدولة غير القادرة أو غير الراغبة”، وهو مبدأ يُعترف به دوليًا في حالات التهديدات العابرة للحدود التي لا تستطيع الدولة المضيفة احتوائها. وعلى الجانب الآخر، يتحول غضب بغداد ورفع شعارات السيادة إلى خطاب شكلي لا يرافقه إجراء عملي فعّال، مما يعكس ضعف القدرة العراقية على مواجهة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.
وبهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى التدخل التركي بمعزل عن الواقع الأمني والسياسي المعقد في شمال العراق، حيث تتحمل الدولة التركية مسؤولية حماية أمن مواطنيها من هجمات حزب العمال الكردستاني، بينما يظل العراق عاجزًا عن السيطرة على شماله، معرضًا للتوترات الداخلية والإقليمية، ومرتعًا للتدخلات العسكرية الوقائية للدول المجاورة. وعليه، تبقى تركيا ملتزمة بالتحرك لحماية أمنها القومي، في وقت يواصل العراق دفع ثمن عجزه في إدارة ملف معقد يمتد تأثيره إلى الداخل والخارج على حد سواء.
انتهى