بوابةٌ تُفضي إلى الوطن

رياض سعد

مضت عشرةُ أعوامٍ على هلاكِ الطاغية … ؛ ومع ذلك أفقتُ من نومي فَزِعًا، كأنّ الرعبَ لم يغادر جسدي منذ تلك الأيام الدموية السوداء … ؛ رأيتُ في المنام أنّي أسير في أرضٍ جرداء موحلة، موحشةٍ كأغلب أراضي العراق يوم كان الظلُّ أثقل من الشمس، والخوفُ أقربَ إلى الناس من أنفاسهم… .
كنتُ أمشي ومعي أبي، وابني الصغير سيف، ورجلٌ رابع طويل القامة، يرتدي دشداشةً بيضاء، لا أعرفه، أو لعلّي عرفته ثم أنكرته خشيةَ أن أحمّله ما لا يحتمل من الذاكرة … ..
كنّا نمشي بوجلٍ وحذر، نُصغي لوقع أقدامنا كأنّها وشاية، ونلتفت إلى الظلال كأنّها عيون… ؛ وفجأةً نظرنا جميعًا إلى جهةٍ بعيدة عن يسارنا، فإذا بالطاغية صدام جالسٌ على كرسيٍّ مرتفع، وخلفه وحوله حرسٌ كأنّهم زبانيةُ نار، يتربّصون بالمارة، يرمقونهم بنظرات الذئاب الجائعة والضباع المتوحّشة … .
ولا أدري كيف حدث ذلك، لكن اثنين منا رفعا أيديهما لا إراديًا بالسلام العادي الذي يتبادله الناس: “السلام عليكم”… ؛ نعم , تجمّد الدم في عروقي، لكنّ يدين من بيننا — لا أدري أكانت يدي أم يد أبي أم يد الرجل الغريب — ارتفعتا بلا إرادة، تُلقيان السلام كما يفعل الناس بعضهم لبعض… .
كان سلامًا خرج من أفواهنا على استحياء، كأنّه يبحث عن عذرٍ قبل أن يبلغ مسامعه… ؛ سلمنا عى الطاغية وواصلنا السير دون توقف… ؛ كان يدخن سيجارة جرود كوبية ، أما هو وزبانيته فلم يردوا السلام… ؛ … أعدنا السلام مرّةً أخرى، وكأنّنا نستجدي من الكلمات نجاةً، لكنّ الصمت كان أثقل من
الإساءة… ؛ فإذا بالصمت ذاته يخيم عليهم، مع أن رد السلام واجب في ديننا … ؛ وهذا الامر أكد لنا صدق حقيقة جذورهم الغريبة عن هذه الارض الطاهرة … .
لا أعرف مَن مِنَّا الأربعة بادر بالسلام عليه، ولا أعرف لماذا… ؛ هل كان ذلك من باب التقية وحقنًا للدماء؟ أم لأننا لم نتبين ملامحه في البداية؟ أم لأن السلام عادة العرب والعراقيين؟
كلّ ما أعلمه يقينًا أنّنا كنّا نكرهه كرهًا لا يوصف، نحن الأربعة، بلا استثناء؛ حتى ابني الصغير سيف، الذي لم يعرف من الدنيا إلا ظلّ الخوف، كان يحمل في عينيه نفورًا لا تخطئه الفطرة… ؛ حتى الرجل لغريب — أو الذي نسيتُ اسمه — كان يشيح بوجهه كأنّه يخشى أن تفضحه النظرة … .
شعرالطاغية بما في صدورنا… ؛ ورأى الكراهية والحقد في عيوننا كما رأينا نحن الجحيم والحقد في نظراته الحادة … .
واصلنا السير حتى بلغنا ساحةً واسعةً محاطةً بسياجٍ خرسانيٍّ عالٍ، يشبه عوازل السجون والمعتقلات… ؛ كانوا يسمونه “الكراج”، إذ من المفترض أن تقف فيه سياراتُ الأجرة لتنقل الناس إلى وجهاتهم، لكنّه كان خاليًا إلا من ثلاث سياراتٍ صغيرةٍ متهالكة … ؛ اما بقية السيارات فكانت خارجه ؛ نراها من خلال فتحات صغيرة في الجدار تشبه فتحات الزنزانات…!!
نظرنا من خلال تلك الفتحات الضيقة المتسخة بالغبار و( الصخام ) فرأينا رجالًا يزعمون أنّهم سائقون، لكنّ وجوههم كانت توحي بالريبة وعدم الاطمئنان ؛ عيونهم تلمع بفضول الجواسيس… ؛ يراقبون المارّة والمسافرين كما يفعل رجال الأمن، وكأنّ المهنة الحقيقية ليست نقل الناس، بل نقل أخبارهم … ؛ كان معظم من يدّعون أنهم سائقو تلك السيارات من الهمج الرعاع، من أبناء المناطق الهجينة وشذاذ الافاق … ؛ ممن يطعيون الطاغية طاعة عمياء ويحملون في صدورهم حقدًا دفينًا على العراقيين الأحرار والاصلاء…!!
ثم سرنا نحو وسط الساحة… ؛ وكلّ خطوةٍ كانت امتحانًا… ؛ وفجأة سمعنا مناديًا ينادي من خلفنا… ؛حسبناه نذير شؤم، ومبعوث الطاغية… ؛ في داخلنا سلّمنا أمرنا لله، وتهيّأنا نفسيًّا لبلاءٍ لا يُرد…
التفتنا…
لكن المنادي لم يكن سوى جارنا وقريبنا “أبو علي”، ومعه مجموعة من الرجال يرتدون الدشاديش البيضاء والعُقل فوق الكوفيات… ؛ بعد تبادل السلام،وكان في صوته رجفةُ من نجا لتوّه من موتٍ محقّق… ؛ أخبرنا أبو علي أنه نجا هو وآخرون بأعجوبة، فقد حاول الطاغية اغتصاب طفلتين صغيرتين، لكن الله نجاهما ونجانا جميعًا من شره، فأفلتنا من قبضته الحديدية في لحظةٍ لم يحتسبها…
لم يُكمل حديثه حتى ودّعناه، كأنّنا نخشى أن يطول بنا الوقوف فنُرصد من جديد… ؛ سرنا مسرعين، فإذا ببوّابةٍ كبيرةٍ عتيقة، تشبه بوابات المساجد العباسية، تنفتح في أحد الجدران الخرسانية الصمّاء…
دخلنا فيها … ؛ ثم خرجنا منها …
لكنّنا لم نخرج إلى ساحةٍ أخرى، بل إلى سجنٍ أكبر؛ سجنٍ كان يُسمّى يومها : الوطن …!!
غير أنّ المفارقة أنّنا، ما إن تجاوزنا تلك البوابة، شعرنا بالأمان؛ كأنّ الخلاص لم يكن في اتّساع المكان، بل في البعد عن عين الطاغية … ؛ فقد كنا في مأمن من الطاغية وزبانيته …!!
استيقظت وأنا ألهث … ؛ عندها : أدركتُ أنّ الطغاة يموتون مرّةً في التاريخ، لكنّهم يموتون ألف مرّةٍ في أحلام من عاشوا تحت ظلالهم…
وأنّ الوطن، مهما ضاق، يبقى أرحم من كرسيٍّ يجلس عليه مستبدّ، يظنّ أنّ الصمت طاعة، وأنّ السلام خضوع…