ياس الركابي
(((((((نرجسة برائحة سفرجل)))))))
كواحدة من روائع قصصه التي املى علينا امجد توفيق فيها تقديمَا رمزيًا هادئًا وهو يصنع لنا مناخًا لقرية قبل ان يفجر حكايته كعادته لأن مثله لايروق له إقتحام الحدث من بابه ليطلق رصاصته قبل ان يكون قد مهّد لفعلته وليضعنا منذ اول مشهدية رأيت فيها كقارئ ربطًا رمزيًا قدريًا بين جذع نالت منه صاعقة حرقًا وكأن امجد يحمله خطيئة قرية بكاملها وبين نرجس مخضب بالدم وهو يحترق بالرصاص لنكون امام مشهد لتطهير زائف ولكن بعنف جماعي.
ولا ادري من اين خطرت لعبة المرايا على خيلاء امجد كبنية سرد لقصة اراد لها ان تكون النوافذ تقنية لها ليس من حيث انها تفصيلات حيث عند معاينتنا كمتابعين للقصة نرى كيف ان بعض صبية واطفال يمدون برؤوسهم عبر مايمكن توصيفه بالشبابيك لنكون امام مسرحية كانت القرية هي المتفرج لها لينجح امجد بتجسيد النافذة على انها رمز لوعي جزئي او لنقل لرؤية غير مكتملة او لحكم لم يُفهم بعد وهكذا نقف امام حدثيات موت ورعب وقبلها حب وعنف تلك التي إنعكست عبر معاينة طفل…امرأة..شاب حاقد..شيخ قرية بمعنى عدم رواية الحقيقة مباشرة بل من خلال المشوهات من المرايا !! لتجرجرنا مسرودة امجد وتوقفنا رغمًا عنّا للتفاعل مع سرد عال متقن حيث التراجيديا المكسورة وشخصية الحاج سلمان الذي لم نقرأ فيه على انه شرير تقليدي بل كائن إنهارت كل دواخله بعد فقدانه لربيبة مشاويره زوجته ولكي يعبّر عن رجولة نراها متهالكة!! ..يشتم الإمام والرجال ويؤذي إبنته .. وهو يتلذذ بما رآه هو كرمزية لرجولة ! بتمسكه بأبريقه والذي نجزم بأن امجد توفيق لم يأت به كتفصيل عابر إنما اراد له ان يكون رمز ذكورة ولو متداعية لسلطة فارغة ولقشرة طالما نال منها اهل القرية سخرية بضحكاتهم ! ولكي يكسر كاتبنا امجد صورة الطاغية ويدعنا امام ماهي عليه من هشاشة ارغمنا على ان نكون امام اقسى لحظة نفسية كان عليها الحاج وهو يحاول تقليم اظافره لتنساب بعض من دماء بسبب انهماكه بتذكّر زوجته على ان الكاتب لم يمهلنا وهو يضعنا امام صورة البراءة والتمرد والتضحية والضحية!!!! فاطمة كزهرة رمزية نرجسية ارادها ان تكون بين الحب والموت من حيث انها ليست بحبيبة حسب إنما هي حب وكفن في آن حيث ان النص الأمجدي كان قد ربطها بالموت منذ منتصف القصة …زهرة مقابر..رائحة سفرجل..دم بلون النرجس هذا النرجس الذي لايدرك كنه الإتيان به من قبل الكاتب لعديد مرات إلا الذين قد آطّلعوا على مقتنيات امجد توفيق الادواتية في السرد هذا التكرار الذي زاد في القصة سحرها الرمزي إلا ان ماشغلني انا شخصيًا من خلال متابعتي وتدقيقي بما هي عليه الاحداث هو ماارادت له المسرودة ان يكون اسطورة جبل كفارس …مرة يقاتل افعى وثانية يتحدى الذئاب وثالثة يدعو الشبان للمبارزة بكل ثقة وحزم ودونما أي وازع من خوف
…ذلك هو الحبيب العاشق الراعي والذي لم ارهُ امامي شخصيًا ككيان لبشر واقعي ابدًا بما هو عليه من نقاء إزاء قرية تلوث كل شئ فيها لينال من أبنائها لِأتساءل مع نفسي: هل ان كاتبنا المرهف بحسه قد صنع لنا شخصية لبشر ام لرمز رومانسي مثالي؟وأكثر مايمكن ان نحسبه إدهاشًا في التناول القصصي في سرديتنا هذه هي تلك النزعة البطولية بحدثية الافعى التي بدت وكأنها إستعراااااض!!وما يجب التاكيد عليه لبيان كل ماكان عليه الفضاء السردي هو مجتمع القرية كقوة قمع كان لها صداها الواضح في البناء الاكبر داخل النص من حيث انها تصفق وتشيّع وتتهم وتُطارد وتقتل ..تلكم التي لم تتأت من فراغ بل لأن القرية كما رآها الكاتب المعلم امجد ماهي إلا كائن عدائي جماعي حيث يتحول الحب الى رصاص بطرفة عين لِلَمْحٍ مِن بصر ….نعم..فلقد تأسست فلسفة النص…كل النص… كما نرى امام القول بعدم الإستغراب إن تحوّل الضحك البرئ الى رصااااااااااص.
في قصة اراد كاتبها ان لاتدور احداثها على ثلاثية الشرف والغيرة والحب وليجتهد بعبقريته المعهودة على ان يردفها بعنصر الموت على انه نتيجة لامهرب لسواها كحتمية لحب في بيئة محكمة الإغلاق..حيث الموت هو القدر المحتوم وليس بوصفه حادثة …وهكذا بدت معالم القصة امامنا بما كانت عليه من بناء جمالي لغوي شاعري عال مرة بتوصيف الطبيعة الذي جاء منسجمًا مع الحالة النفسية واخرى بتوظيف الأسطورة الشعبية للإمام علي (ع) وثالثة بتوازي العناصر التي ادركناها ناضجة جدًا كخرير الماء وعواء الذئب وصوت الرصاص …وما زاد من عظمة قصة امجد هو ماكانت عليه من افراط لذييييييذ في احد شروحاته الرمزية والتي اشرت لها في اعلاه في ما كان عليه الراعي من مثالية علاوة على الحوارات التي تخللتها القصة لاهل القرية …وما نعتقده هو ان القاص كان قد قصد ذلك حتى يجعل من قارئيه يتبعون مساره بكامل وعي ليصحوا امام نهاية قوية جدًا حيث يلون الدمُ النرجس وكيف ان الراعي البطل العاشق ينفد رصاصه ليهوي فوق حبيبته لمشهد رأينا فيه كل مساحات الجمال للتراجيديا الكلاسيكية المبصومة بحداثة امجد توفيق الذي بنى لنا مناخًا شعريًا كثيفًا لصورة قرية تتحول فيها المشاعر الى عنف بسرعة برق لمجتمع جبلي مغلق نجح الكاتب وبمهارة برمزياتها البطولية
الجبلية النرجسية .
قراءة في ثلاثية الموت المؤجّل الجبل….. والنرجس… والرصاص وقصة الكاتب ((((( امجد توفيق )))) السادسة عشرة ضمن مجموعته القصصية المتميّزة ( بُدراب )