بقلم: حسين شكران العقيلي
حين يتجلى الحق سبحانه في محكم تنزيله بمخاطبة المؤمنين بـ ( يا أيها الذين آمنوا) فإنه يفتح لهم باباً من القرب يسبق التكليف، ويُهيئ القلوب لاستقبال ( كتب عليكم) بروح الرضا لا بروح المشقة. وفي سورة البقرة، لا تأتي آيات الصيام مجرد نصوص تشريعية جافة تحدد المباح والمحظور، بل هي منظومة تربوية متكاملة تُعيد صياغة الكيان الإنساني من الداخل، لتربط بين جسد يمتنع عن شهواته، وروح تتوق لبارئها، وعقل يتدبر في غايات الوجود.
إن الاستهلال القرآني بعبارة (كما كُتب على الذين من قبلكم) يحمل دلالة نفسية وتاريخية عميقة فهو يخرج الصائم من دائرة الاستفراد بالتكليف إلى رحابة المشاركة الإنسانية التاريخية، مؤكداً أن الصيام (مدرسة أزلية) لتهذيب النفس البشرية. لكن الغاية العظمى لم تُترك للاجتهاد، بل حصرها القرآن الكريم في قوله (لعلكم تتقون). والتقوى هنا ليست مجرد خشية مجردة، بل هي حالة من (اليقظة ال وجدانية) التي تجعل الإنسان رقيباً على نفسه، حيث يتحول الصيام من مجرد جوع وعطش إلى تدريب يومي على التحكم في الإرادة، ومن ثم بلوغ مرتبة السيطرة على الغرائز بدلاً من الخضوع لها.
وعندما يصف القرآن أيام الصيام بأنها (أياماً معدودات) ، نلمس طمأنة إلهية للقلب البشري بأن هذا الجهد مؤقت ويسير، لكن نتائجه أبدية. وفي ثنايا هذه الآيات، يبرز التلاحم العضوي بين الصيام والقرآن في قوله (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) . هذا الربط ليس زمنياً فحسب، بل هو ربط جوهري؛ فكأن الصيام هو الحالة النفسية والجسدية التي تُهيئ الإنسان ليكون وعاءً طاهراً لاستقبال أنوار الوحي. فبينما يضيق الصوم مسالك الشيطان بالامتناع عن المادة، يتسع قلب الصائم لفيوضات الروح ومعاني الفرقان التي تميز بين الحق والباطل.
واللافت في السياق القرآني لآيات الصوم، هو ذلك (الاعتراض الوجداني) المتمثل في آية الدعاء: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) . إن مجيئها بين أحكام الصيام يشي بسر عظيم؛ وهو أن الصيام هو أقصر الطرق لبلوغ حالة القرب الإلهي. فالعبد الذي ترك حلاله لله، يصبح دعاؤه مجاباً وقربه مستحقاً. هنا يتحول التحليل القرآني من فقه الجوارح إلى فقه القلوب، حيث لا يصبح الصوم غاية في ذاته، بل وسيلة لتجديد العهد مع الخالق، وشكراً على نعمة الهداية التي ختمت بها الآيات (ولعلكم تشكرون)
إننا في ضوء هذا التدبر، ندرك أن نداء الصيام في سورة البقرة هو نداء للحرية؛
الحرية من أسر العادة، ومن سطوة الشهوة، ومن تبلد الروح. هو دعوة لإعادة ترتيب الأولويات، ليكون (الفرقان) هو الدليل، والتقوى هي الزاد، والقرآن هو المنهج. وبذلك لا ينتهي الصيام برؤية هلال العيد، بل يبدأ أثره في بناء إنسان رباني، متزن، وقادر على حمل الأمانة بوعي وبصيرة
نداء الصيام( وقفات تدبرية مع آيات الصوم في سورة البقرة)