إيهاب مقبل
تقع محافظة المثنّى في جنوب غرب العراق، حيث تمتد الصحراء على مساحات واسعة، وتتشابك الجغرافيا القاسية مع تاريخ عميق وإنسان صبور. تحدّها من الجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الجنوب الشرقي حدود ضيّقة مع دولة الكويت، فيما تتصل شمالًا بمحافظتي الديوانية والنجف، ومن الشرق بمحافظتي ذي قار والبصرة. هذا الموقع جعل المثنّى حلقة وصل بين البادية والجنوب، ومساحة مفتوحة على الداخل العراقي وحدوده الخارجية في آنٍ واحد.
ليست المثنّى محافظة هامشية كما يُتخيّل أحيانًا، بل مساحة عراقية مكثفة بالمعنى، شهدت تحولات كبرى، وكانت مسرحًا للصراع بين الإنسان والطبيعة، وبين التهميش والإصرار على البقاء. فهنا لم تكن الصحراء فراغًا، بل مجالًا للحياة، وذاكرة مفتوحة على القوافل، والحدود، والتحركات البشرية عبر العصور.
المثنّى ليست أرضًا فقيرة بالحياة، بل أرض اختبرت أقسى شروطها، فصاغت إنسانًا شديد الارتباط بالمكان، يعرف قيمة الماء، ويقرأ الصحراء كما تُقرأ الكتب القديمة، سطرًا سطرًا.
الاسم والجذور التاريخية
يحمل اسم المثنّى دلالات تاريخية تعود إلى العمق العربي والإسلامي، ويرتبط في الذاكرة باسم القائد الإسلامي المثنّى بن حارثة الشيباني، أحد أبرز قادة الفتح الإسلامي في العراق. ومع مرور الزمن، أصبح الاسم عنوانًا لمكان واجه التحولات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبقي محافظًا على حضوره في تاريخ العراق الجنوبي.
وعبر العصور، كانت أرض المثنّى جزءًا من المجال الحضاري لبلاد الرافدين، إذ مرّت بها طرق القوافل، وشهدت تحركات القبائل، وكانت الصحراء فيها ليست حاجزًا، بل معبرًا وحدًّا جغرافيًا صعب الاختراق، ومخزنًا لذاكرة المكان.
الصحراء: قسوة المكان وحكمة البقاء
تشكل الصحراء السمة الأبرز في المثنّى، وهي ليست مجرد امتداد رملي، بل نظام بيئي وثقافي كامل. علّمت الصحراء أهلها الصبر، والاعتماد على الذات، وفهم الطبيعة دون تحدّيها. في هذه الأرض، يصبح الماء كنزًا، والظل نعمة، والاستقرار فعل مقاومة يومي.
ورغم قسوة المناخ، احتفظت الصحراء بذاكرة المكان، من آثار قديمة، إلى قصص شفوية تناقلها السكان عن الهجرات والجفاف والمعارك والنجاة.
السماوة: القلب النابض للمحافظة
تُعد السماوة مركز محافظة المثنّى وعاصمتها الإدارية، وهي مدينة نشأت على ضفاف نهر الفرات، فشكّلت نقطة توازن بين الصحراء والماء. في السماوة، يلتقي الطابع الحضري بالحياة الريفية، وتظهر ملامح مدينة جنوبية بسيطة، ذات أسواق شعبية وعلاقات اجتماعية متينة.
ولا يمكن الحديث عن السماوة دون استحضار النخيل، الذي شكّل لسنوات طويلة جزءًا من المشهد الطبيعي والاقتصادي للمدينة. على ضفاف الفرات، انتشرت بساتين النخيل كحزام أخضر يخفف من قسوة الصحراء، ويوفر مصدر رزق وغذاء للسكان. لم يكن النخيل في السماوة مجرد شجرة مثمرة، بل علامة استقرار وحياة، ارتبط بالبيت والأسرة والظل والماء. ورغم ما تعرّضت له هذه البساتين من تراجع بسبب شح المياه والتغيرات البيئية، لا يزال النخيل حاضرًا في الذاكرة البصرية للمدينة، بوصفه رمزًا لصمود الإنسان في مواجهة الجفاف والحرارة.
كما تمتلك السماوة أهمية لوجستية متنامية، إذ تضم محطة نقل للسكك الحديدية تُعد الأحدث على مستوى العراق، ما يمنح المحافظة فرصة للتحوّل إلى عقدة نقل استراتيجية تربط الجنوب بالحدود الغربية والجنوبية.
الرميثة: مدينة الاحتجاج والذاكرة الوطنية
تحمل الرميثة مكانة خاصة في الذاكرة العراقية، إذ ارتبط اسمها بثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني. لم تكن الرميثة مجرد مدينة زراعية، بل فضاءً للاحتجاج والرفض، وموطنًا لروح وطنية مبكرة.
اقتصاديًا، تعتمد الرميثة على الزراعة وتربية المواشي، وتحتفظ بطابعها الريفي الواضح، حيث لا تزال الأرض والعشيرة عنصرين مركزيين في تشكيل هوية المجتمع.
الخضر: الزراعة في مواجهة الجفاف
يقع قضاء الخضر شمال المحافظة، ويُعد من المناطق الزراعية المهمة في المثنّى، رغم التحديات الكبيرة المرتبطة بشح المياه والتغير المناخي. شكّلت الزراعة في الخضر، ولا سيما زراعة الحبوب، مصدر رزق أساسي للسكان، إلى جانب تربية المواشي.
يمثّل الخضر صورة واضحة لصراع الإنسان مع الطبيعة، حيث يستمر التمسك بالأرض بوصفه فعل بقاء، لا مجرد نشاط اقتصادي.
السلمان: عمق الصحراء وذاكرة المنفى
يمثّل قضاء السلمان الامتداد الصحراوي الأعمق في المثنّى، وهو من أكثر مناطق العراق عزلة جغرافيًا. عُرف السلمان تاريخيًا كمكان للنفي والسجون في فترات مختلفة، ما منحه حمولة رمزية ثقيلة في الذاكرة الوطنية.
ورغم قسوة المكان، يعيش في السلمان سكان ارتبطوا بالصحراء ارتباطًا وجوديًا، يعتمدون على الرعي، ويملكون معرفة دقيقة بتضاريس الأرض ومساراتها، حيث تتحوّل الصحراء من خطر إلى بيت مفتوح.
الثروات الطبيعية: الصحراء كمخزن لا كفراغ
تختزن المثنّى ثروات طبيعية كبيرة، فهي تحتوي على كميات مهمة من النفط، إلى جانب امتلاكها واحدًا من أكبر مستودعات المواد الخام الداخلة في صناعة الإسمنت على مستوى العالم. كما تمتلك مخزونًا هائلًا من الملح بكميات كبيرة جدًا، ما يمنحها قيمة اقتصادية كامنة لم تُستثمر بالشكل الكافي حتى اليوم.
هذه الثروات تجعل من المثنّى محافظة ذات إمكانات مستقبلية كبيرة، إذا ما توفرت السياسات التنموية العادلة والبنية التحتية الداعمة.
الزراعة والحياة الحيوانية
تعتمد المثنّى على الزراعة في المناطق القريبة من الفرات، حيث تُزرع الحبوب مثل القمح والشعير، إضافة إلى بعض المحاصيل الموسمية. كما تشكّل تربية الأغنام والإبل نشاطًا اقتصاديًا مهمًا، خاصة في المناطق الصحراوية.
وتعيش في المثنّى أنواع من الحيوانات المتكيّفة مع البيئة الصحراوية، مثل الغزلان والأرانب البرية والطيور الصحراوية، ما يعكس تنوعًا بيئيًا غالبًا ما يُغفل عند الحديث عن الصحراء.
الإنسان المثنّاوي: الصبر كهوية
تميّز إنسان المثنّى بالصبر والقدرة على التحمّل، نتيجة تراكم طويل من التهميش وقسوة الظروف. ومع ذلك، حافظ المجتمع على تماسكه، وعلى قيم التضامن والعشيرة والانتماء للمكان.
الهجرة بحثًا عن العمل كانت خيارًا لكثير من أبناء المثنّى، لكن الارتباط بالأرض ظل حاضرًا، سواء بالعودة أو بالحنين الدائم.
خاتمة
المثنّى ليست محافظة صامتة، بل أرض تتكلم بلغة الصحراء والماء والصبر. من السماوة إلى الرميثة، ومن الخضر إلى السلمان، ومن ثرواتٍ مخزونة في باطن الأرض إلى إنسانٍ تعلّم كيف يحوّل القسوة إلى قدرة على البقاء، تتشكّل حكاية عراقية مختلفة، لا تُقاس بعدد السكان أو حجم المدن، بل بعمق التجربة الإنسانية.
في المثنّى لا تصمت الصحراء… بل تُخزّن المستقبل، وتنتظر من يعرف كيف يقرأها، لا من يمرّ فوقها عابرًا.
انتهى