رياض سعد
لا ينبغي الانشغال بنباح الأصوات التكفيرية أو بعواء الأنظمة السياسية الحاقدة؛ فالقافلة العراقية تمضي في مسارها، والضجيج لا يوقف حركة التاريخ… ؛ إن معيار النجاح السياسي لا يُقاس بحدة الشعارات ولا بعلوّ الخطابات، بل بمدى القدرة على تحقيق أكبر قدر من المكاسب الوطنية، وتقليل الأضرار، ودفع المفاسد والأذى عن الاغلبية والامة العراقية قدر الإمكان .
فالسياسي الناجح هو من يحمي أهله، ويحافظ على وطنه، ويصون أبناء جلدته من عاديات الدهر، ومن مؤامرات القوى الاستكبارية والاستعمارية، ومن مخططات الأعداء في الداخل والخارج… ؛ أما الشعارات الرنانة، والخطب الطنانة، والادعاءات الطوباوية، فلا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تحقق إنجازًا ملموسًا على أرض الواقع؛ فالأيديولوجيا لا تنتصر بمفردها على التكنولوجيا، ولا على معادلات القوة المعاصرة .
لقد جاء في الأثر الاسلامي : «أبى الله إلا أن تسير الأمور بأسبابها»، وهي قاعدة عقلية قبل أن تكون نصًا موروثًا؛ فالسير وفق النواميس الكونية، والعمل بالأسباب الطبيعية، شرط في كل نهوض… ؛ وقد أُمر النبي محمد بإعداد العدة والعدد لمواجهة العدو ، و قد جنح إلى الصلح في الحديبية حين رأى أن المصلحة تكمن في الصلح لا في القتال… ؛ وجاء في الحكمة: «لا تتكلم بالحق من موقع ضعف»، إذ إن الحق يحتاج إلى قوة تحميه، وإلى استعداد يثبته .
إما أن تُعدَّ العدة والعدد، وتتحدث من موقع القوة والاقتدار، وإما أن تميل إلى الصمت المؤقت، وإلى الصلح والمهادنة، حتى تبلغ من القوة ما يؤهلك لمقارعة الأعداء… ؛ وقد عبّرت الأمثال الشعبية العراقية عن هذا المعنى ببلاغة عملية؛ فقيل: «الإيد ال ما تكدر تلاويها بوسها وادعي عليها بالكسر»، وقيل: «اللي ياخذ أمي يصير عمي»… ؛ وهي أمثال تشير إلى ضرورة التكيف مع الظروف، ومراعاة الضغوط الخارجية، وقبول الضرر البسيط دفعًا للضرر الأكبر , فقد يضطر المرء للتحايل اتقاء ودفعا لشر العدو القوي الذي لا يمكن مجابهته .
فالعدو الذي لا تستطيع مواجهته اليوم، قد يكون من الحكمة مهادنته، ومدّ اليد إليه، ريثما تتغير الموازين… ؛ والناس – كما قيل قديمًا – على دين ملوكهم، أي إنهم يتأثرون بموازين القوة السائدة في عالمهم… ؛ فإن تجسدت القوة العالمية في جهةٍ ما، كان من مقتضى السياسة الناجعة مدّ جسور التفاهم معها، لا محاربتها بمنطق الشعارات والأطروحات والأيديولوجيات المجردة .
إن الجلوس إلى طاولة الحوار، وعقد الاتفاقيات، وتقديم بعض التنازلات المحسوبة، ليس ضعفًا بالضرورة، بل قد يكون ثمنًا مشروعًا للأمن والاستقرار… ؛ فالأمن يُشترى أحيانًا، كما تُشترى التنمية والاستقرار عبر شراكات محسوبة. وقد اختارت دول عديدة عقد تفاهمات مع القوى الكبرى، فحافظت على مجتمعاتها من الغليان، بينما عانت مجتمعات أخرى من دوامات المعارك والخسائر والانتكاسات والحروب والاضطرابات والحصار والأزمات والانقلابات .
ولو خُيّر المرء بين إعطاء بعض المال للحفاظ على الوطن والمواطن، وبين خسارة المال والوطن والمواطن معًا، فإن اختيار الخيار الثاني ليس إلا مجازفة غير محسوبة وحماقة … ؛ وقد قيل في المثل: «إذا كان الغراب دليل قومٍ قادهم إلى دار الخراب»، في إشارة إلى خطورة سوء التقدير السياسي .
إن الظروف السياسية الراهنة تقتضي تأسيس قاعدة عملٍ مستقلة، تُقدّم مصالح المجتمع على الشعارات والأيديولوجيات، وتُحسن إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى، بما في ذلك الخصوم، وفق منطق التوازن لا التبعية، ومنطق المصالح لا العواطف .
لقد شهد التاريخ تحولات كبرى، وتبدلت فيه التحالفات والمواقف… ؛ وقد تختار بعض القوى العراقية طيّ صفحات الماضي، والتنسيق مع من كان خصمًا بالأمس، حفاظًا على العملية السياسية، والتجربة الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، واستمرار مسيرة الإعمار والبناء .
أما رفع راية الحرب غير المتكافئة في وجه قوى عاتية، دون استعداد أو حساب دقيق للكلفة، فقد يتحول إلى انتحار سياسي ووجودي، وإلقاء بالنفس في التهلكة…. ؛ والواقعية السياسية لا تعني التفريط، بل تعني الحذر، والتدرج، واختيار التوقيت المناسب، وتقديم سلامة المجتمع على نزعات التصعيد.
فالأمور تُقاس بخواتيمها، والسياسة تُحكم بنتائجها… ؛ والخير كل الخير في الحفاظ على مكتسبات العملية السياسية، وترسيخ التداول السلمي للسلطة، وكبح جماح الإرهاب والفوضى، وإحباط مخططات الأعداء، والسير قدمًا في تصحيح المسار بما يحقق العدل، والتطور، والسلام، والازدهار، ويدفع عن المجتمع شرور الصراعات غير المحسوبة ومعارك الوكالة وحروب النيابة .