وهم الدولة الكردية: كيف يستغل الكيان اليهودي الأكراد؟

إيهاب مقبل

رغم التغطية الإعلامية التي تصور العلاقة “الكردية-الإسرائيلية” كتحالف استراتيجي طبيعي، فإن الواقع يكشف أن هذه العلاقة غير متكافئة ومشبوهة. الكيان الصهيوني، بقدراته العسكرية والاستخباراتية، يتعامل مع الأكراد في العراق وسوريا كأداة لتعزيز نفوذه الإقليمي، دون تقديم أي ضمانات حقيقية لاستقلالهم أو أمنهم السياسي.

أما الأكراد، فيقعون تحت ضغط مستمر من الدول المحيطة وإيران، ما يجعل أي علاقة مع تل أبيب محفوفة بالمخاطر وتزيد من تعقيد موقفهم السياسي الداخلي والخارجي. هذه العلاقة تكشف ازدواجية المعايير: الأكراد يُعتبرون حلفاء عندما يخدمون مصالح الكيان اليهودي، لكن أي تلميح للتعاون العلني قد يؤدي إلى اتهامات بالخيانة أمام الجوار الإقليمي.

الجذور التاريخية للعلاقات الكردية-الصهيونية
بدأ التعاون بين الكيان الصهيوني والأكراد العراقيين منذ منتصف الستينيات، حين طلب ملا مصطفى بارزاني الدعم لمواجهة الحكومة العراقية في بغداد. أرسل الكيان العبري مستشارين وعملاء من الموساد لتدريب قوات البيشمركة وتزويدهم بأسلحة متقدمة، كما ساهموا في تأسيس جهاز الباراستن الكردستاني الاستخباراتي السيء السمعة في شمال العراق.

رغم أن هذا الدعم ساعد الأكراد على مواجهة العراق، إلا أنه كان محكومًا بمصالح تل أبيب الاستراتيجية وليس حماية حقوق الأكراد. وحتى الدعم الإنساني، مثل مساعدة اليهود العراقيين على الهروب من البلاد، كان مرتبطًا بتعزيز نفوذ الكيان العبري وليس التضامن الكردي المستقل.

الدوافع الاستراتيجية للكيان الصهيوني
الدافع الأساسي للكيان الصهيوني كان سياسيًا واستراتيجيًا بحتًا. عبر دعم الأكراد، استطاعت تل أبيب إيجاد حليف وظيفي في شمال العراق للحد من النفوذ الإيراني، ومراقبة تحركات العراق وسوريا وتركيا، دون أن تتحمل أي التزامات تجاه استقلال الأكراد أو حماية وضعهم السياسي.

العلاقة تكشف أن الكيان العبري لا يتعامل مع الأكراد كشركاء متساوين، بل كأداة مؤقتة لتحقيق مصالحه في مواجهة أعدائه الإقليميين، وأن أي دعم مادي أو سياسي كان دائمًا مشروطًا ومؤقتًا.

الاستفتاء الكردي 2017: دعم رمزي بلا مضمون
في 25 سبتمبر أيلول 2017، أجرى الأكراد استفتاءً على الاستقلال، وصوت أكثر من 92٪ لصالحه. الكيان الصهيوني كان الطرف الوحيد الذي أيد الاستفتاء رسميًا. لكن بعد الاستفتاء، شنت القوات العراقية والحشد الشعبي هجومًا على الإقليم، ولم يكن هناك أي تدخل مباشر من تل أبيب، ما يظهر أن الدعم الصهيوني كان رمزيًا فقط، بلا مضمون فعلي على الأرض.

في مواجهة الهجوم، لم يكن أمام أربيل خيار سوى الاستعانة بقوات كردية من إيران وسوريا لدعم البيشمركة وصد الهجوم العراقي، ما يؤكد أن الأكراد لم يحصلوا على أي حماية حقيقية من الكيان العبري، وأنهم يعتمدون على تحالفات إقليمية محدودة وهشة.

هذا يعكس الطبيعة الوظيفية لهذه العلاقة: الكيان العبري يعلن دعمه لتظهر قوته الإقليمية، بينما الأكراد يتحملون العواقب السياسية والعسكرية دون أي حماية فعلية.

التشابه اليهودي-الكردي: أساس شعبي ولكن ليس سياسي
يتشارك اليهود والأكراد في التاريخ من حيث التعرض للاضطهاد كأمتين صغيرتين (15 مليون نسمة بالنسبة لليهود و35 مليون نسمة بالنسبة للأكراد)، وهذا ساعد على بناء روابط ثقافية وشعبية. لكن هذه الروابط الشعبية لا تعكس أي شراكة سياسية حقيقية. العلاقات الرسمية والسياسية كانت دومًا محدودة بمصالح الكيان اليهودي، بينما الأكراد اضطروا للصمت أو إخفاء علاقاتهم مع تل أبيب خوفًا من غضب الجوار الإقليمي واتهامهم بالخيانة.

التحديات البنيوية: عدم التوازن الواضح
العلاقات الكردية-الصهيونية تعاني من عدم توازن حاد: الأكراد ككيانات غير دولة، بينما الكيان الصهيوني يمتلك قدرات واستراتيجية واضحة. هذا الفرق خلق اعتمادًا من طرف واحد، وأجبر تل أبيب على اختيار طرف كردي على حساب آخر، ما تسبب في تصدعات داخل الحركة الكردية نفسها.

غياب الحدود المشتركة، وسيطرة إيران وتركيا والعراق على محيط الأكراد، يجعل أي تعاون علني مع الكيان العبري مخاطرة كبيرة. الأكراد يعيشون في توازن هش بين المصالح الاستراتيجية والتهديدات الأمنية، بينما تل أبيب تتحكم في مدى الدعم الذي تقدمه.

حدود الإمكانات الكردية: الواقع الجغرافي والسياسي
رغم الطموحات الكردية في إقامة دولة مستقلة، فإن الواقع الجغرافي والسياسي يجعل ذلك أمرًا شبه مستحيل. طبيعة الأراضي الكردية الجبلية تعزز الحكم اللامركزي، بحيث يصعب جمع كل المناطق تحت سلطة مركزية واحدة في أربيل. هذا الواقع يجعل أي دولة كردية متماسكة على غرار الدول الحديثة أمراً صعب التحقيق.

إضافة لذلك، عدم وجود منفذ بحري يحرم الأكراد من القدرة على التجارة المستقلة والتواصل الحر مع العالم الخارجي، مما يزيد من اعتمادهم على الجوار الإقليمي، سواء كان العراق أو إيران أو تركيا أو سوريا. هذه الحدود الطبيعية والسياسية تجعل الأكراد عرضة لضغط دائم من الدول المحيطة، وتجعل أي دعم من الكيان العبري محدودًا ومؤقتًا، وغير كافٍ لضمان استقلالهم السياسي والأمني.

بالتالي، حتى في حال استمرار الدعم الصهيوني، يبقى الأفق الاستقلالي للأكراد مقيدًا بالواقع الجغرافي والسياسي، ما يعكس هشاشة أي تحالف ويؤكد أن العلاقة مع تل أبيب قائمة على مصالح مؤقتة وظرفية، وليست على شراكة حقيقية تضمن للأكراد حماية أو استقلالًا مستدامًا.

روج آفا في سوريا: العلاقة تظل مشبوهة
في سوريا، ابتعد الكيان الصهيوني في البداية عن ما يسمى مشروع “روج آفا” أو “غرب كردستان” بسبب ارتباطه بـ PKK، لكنه سمح لاحقًا بدرجة محدودة من التقارب. تصريحات قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بالترحيب بالدعم الصهيوني، تظهر أن الأكراد يستخدمون الكيان العبري كورقة ضغط استراتيجية ضد أنقرة ودمشق، بينما تل أبيب تبقي نفسها خارجة عن المخاطر المباشرة.

هذه الأمثلة تؤكد أن العلاقة وظيفية مؤقتة وليست مبنية على شراكة حقيقية أو دعم دائم للأكراد في تحقيق حقوقهم المشروعة.

توقعات الطرفين والواقع السياسي
رفع الجانب العبري تصريحات دعم للاستقلال الكردي، ما خلق توقعات لدى الأكراد حول الحماية والمساندة في الأزمات، بينما توقع الكيان الصهيوني أن يقدم الأكراد دعمًا استخباراتيًا وعسكريًا لصراعاته الإقليمية.

الحقيقة أن هذه التوقعات كانت غير واقعية تمامًا، إذ لم تتحقق بسبب تعقيدات الوضع الإقليمي، وتداخل النفوذ الإيراني والتركي والسوري والعراقي، ما يوضح أن العلاقة قائمة على استغلال المصالح المؤقتة وليس تحالف حقيقي.

آفاق التعاون المستقبلي: هش ومتقلب
يمكن تعزيز التعاون في المجالات الثقافية والدبلوماسية والاستخباراتية، لكن العلاقة تبقى مرهونة بالمصالح الصهيونية والتوازنات الإقليمية. وجود تل أبيب يعطي أربيل عمقًا استراتيجيًا، لكنه أيضًا يجعلها عرضة للاتهامات بالخيانة أمام جيرانها.

أي دعم مستقبلي من الكيان العبري سيظل مشروطًا، وسيحتاج الأكراد دائمًا إلى موازنة علاقاتهم مع العراق وسوريا وتركيا وإيران لتجنب الانزلاق إلى أزمات أكبر، ما يبرز هشاشة العلاقة وعدم إمكانية الاعتماد عليها بشكل كامل.

الخلاصة
تظهر العلاقة الكردية-الصهيونية تاريخيًا وكأنها تعاون طويل الأمد، لكنها في الواقع علاقة مصالح وظيفية غير متوازنة. الأكراد استفادوا من بعض الدعم العسكري والسياسي، بينما الكيان العبري استفاد من وجود حليف مؤقت لتعزيز نفوذه في شمال العراق ومواجهة إيران وأعدائه الإقليميين.

هذه العلاقة تكشف ازدواجية المعايير واستغلال المصالح، حيث يتحكم الكيان العبري في وتيرة الدعم والخطاب السياسي، بينما الأكراد يتحملون العواقب السياسية والعسكرية. ما يُسوّق إعلاميًا على أنه شراكة استراتيجية، ليس إلا صفقة هشّة قائمة على مصالح مؤقتة، وليست متكافئة ولا تضمن للأكراد حماية أو استقلالًا حقيقيًا.

انتهى