الحرب التي لا يريدها أحد

رياض الفرطوسي

في هذه الأيام لا تبدأ الحرب بالمدافع، بل بالعناوين. كل صباح تخرج الصحف وكأنها غرف عمليات، ترسم خطوط النار وتحدد المواعيد، وتعلن أن الضربة باتت قريبة، وأن المنطقة تقف على حافة مواجهة لا مفر منها. مرة يسمونها ضربة محدودة، ومرة يسمونها حرباً كبرى، لكن المعنى واحد، الجميع ينتظر الانفجار كأنه حدث طبيعي في دورة الفصول.

غير أن المشهد الحقيقي أقل صخباً وأكثر تعقيداً. في الخلفية تدور مفاوضات بطيئة، رسائل غير مباشرة، وعروض مؤجلة. التهديد قائم فعلاً، حتى أن الحديث يدور في واشنطن عن ضربات خاطفة تستهدف مواقع محددة لإجبار طهران على التنازل، لا لفتح حرب شاملة.
الفكرة نفسها تكشف حجم التردد، فالضربة المقترحة ليست نصراً بل رسالة، وليست حرباً بل محاولة لتجنب حرب أكبر.

الأساطيل تتحرك، والمواقع تُحصَّن، والصور الفضائية تُنشر كما لو أنها مشاهد تمهيدية لفيلم طويل. إيران تعزز بعض منشآتها وتعيد توزيع قدراتها العسكرية تحسباً لأي هجوم محتمل، في إشارة واضحة إلى أن الخطر مأخوذ على محمل الجد.
لكن هذه الاستعدادات تبدو أقرب إلى دفاع بارد الأعصاب منها إلى استعداد للمغامرة. بلد يعرف أن الحرب الواسعة ليست ساحة استعراض بل امتحان بقاء.

التجربة القريبة تركت أثرها. حرب الأيام القليلة في 2025 كشفت هشاشة التوازن القديم، وأظهرت أن المواجهة المباشرة يمكن أن تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج.
منذ ذلك الوقت تغيرت الحسابات، وصار الهدف الأول هو منع الضربة لا الرد عليها. طهران تعمل في السياسة والدبلوماسية والإعلام والعسكر في وقت واحد، محاولة أن تجعل كلفة الهجوم أعلى من فائدته.

هذا الحذر لا يظهر في العناوين. العناوين تحتاج إلى بطولات سريعة، أما السياسة فتتحرك ببطء. إيران لا تقول إنها تخشى الحرب، لكنها تتصرف كدولة تعرف وزنها وحدودها. تصر على أن الأزمة لا حل عسكرياً لها وتواصل التفاوض حتى وهي تحت التهديد، محاولة أن تفتح باباً ضيقاً وسط جدار من الضغوط.

المفارقة أن الجميع يتحدث عن القوة بينما الحقيقة هي الخوف. القوى الكبرى تخشى الانزلاق إلى مواجهة واسعة، والدول الصغيرة تخشى أن تتحول إلى ساحات، والأسواق تخشى مجرد الشائعات لأن صراعاً واحداً قادر على هز اقتصاد العالم كله.
الحرب هنا ليست معركة حدود بل حدث عالمي، زلزال يبدأ في مكان ويهز أماكن بعيدة لا علاقة لها به.

وسط هذا كله تبدو إيران كمن يقف في منتصف الطريق، لا تستطيع التراجع الكامل ولا تريد التقدم نحو الحافة. بلد يعرف أن الضربة الخاطفة ممكنة، لكنه يعرف أيضاً أن الرد يمكن أن يحول الضربة إلى بداية لا نهاية لها. ولهذا فإن أشد ما يلفت النظر ليس التهديدات، بل القدرة على البقاء داخل المساحة الضيقة بين التحدي والانفجار.

الحرب التي يتحدث عنها الجميع قد تقع، وربما تكون قصيرة وعنيفة كما يتخيل المخططون. لكن الاحتمال الآخر، وهو الأرجح، أن تبقى معلقة فوق الرؤوس مثل سحابة ثقيلة. تهديد دائم لا يتحول إلى عاصفة.

العناوين تعد بالحرب كل يوم، لكن الواقع يقول شيئاً مختلفاً. أحياناً تكون القوة الحقيقية هي القدرة على تأجيل المعركة، وعلى جعل الخصم يفكر مرتين قبل أن يضغط الزناد. وفي زمن الضربات الخاطفة، قد يكون الصمود الهادئ هو الشكل الوحيد الممكن للانتصار.