كن سياسيا ناجحا والا غدوت كبش فداء

رياض سعد

لا تلتفتوا، إلى زمجرة الضباع التكفيرية التي أضلها الله عن سواء السبيل، ولا إلى عواء ذئاب الأنظمة البائدة التي تريد إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء… ؛ فالقافلة الديمقراطية في العراق تسير بفضل الله ثم بفضل تضحيات الاغلبية والامة العراقية العظيمة … ؛ ولا الى كلاب الأنظمة الطائفية والعنصرية والشمولية والدكتاتورية التي تنبح اناء الليل و اطراف النهار، فأنها لن تستطيع إيقاف مسيرتنا الوطنية الظافرة ؛ ان ارتفع منسوب وعينا السياسي , وغيرنا من طريقة تعاملنا مع القوى الكبرى , وقدمنا بعض التنازلات المؤلمة .
إن المعيار الحقيقي لنجاحنا السياسي لا يُقاس بشدة الخطاب أو حدة الشعارات، وإنما يُقاس بقدرتنا على تحقيق أقصى المكاسب الوطنية الممكنة، وتقليل الأضرار، ودفع المفاسد عن الأغلبية الاصيلة وعموم ابناء الامة العراقية … ؛ فالسياسي الحصيف هو من يستطيع حماية أهله ووطنه من عاديات الدهر، وتقلبات السياسة الدولية، ومؤامرات القوى الكبرى، ومخططات الأعداء الخارجية .
فالشعارات الرنانة التي تملأ الفضاء، والخطب الطنانة التي تستعطف الجماهير، والادعاءات الطوباوية التي تتغنى بالمبادئ دون النظر إلى الواقع، كلها لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولا تحقق شيئاً يُذكر على أرض الواقع… ؛ إنها مجرد فقاعات صابون تذروها الرياح… ؛ فالإيديولوجيا وحدها لا تنتصر على التكنولوجيا، والمبادئ المجردة لا تصمد أمام قوة المال والسلاح … .
لقد جاء في كتاب القران الكريم : “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”، وكذلك أمر الله رسوله الكريم بالأخذ بالأسباب الطبيعية، والسير وفق النواميس الكونية التي وضعها في هذا الوجود… ؛ وقد جاء في الأثر الإسلامي : “أبى الله إلا أن تجري الأمور بأسبابها”… ؛ وانطلاقاً من هذه البديهة العقلية التي لا مراء فيها … ؛ لجأ النبي محمد إلى الصلح في الحديبية … ؛ عندما رأى أن المصلحة العليا للأمة تقتضي المهادنة، وأن الظروف الموضوعية لا تسمح بالقتال… ؛ فقد كان القتال في تلك اللحظة التاريخية سيؤدي إلى إبادة الصحابة واستئصال شأفة الدعوة الإسلامية… ؛ لقد جنح النبي إلى السلم، وقبل بشروط بدت مجحفة في ظاهرها، لكنها كانت مدخلاً عظيماً للنصر والتمكين فيما بعد.
وهذا هو عين ما جاء في الأثرالاسلامي الآخر: “لا تتكلم بالحق من موقع ضعيف”، أي أن قول الحق يحتاج إلى قوة تحميه، وإلا كان صاحبه كمن يلقي بنفسه إلى التهلكة… ؛ فإما أن تعد العدة والعدد الكافي، وتتكلم بالحق من موقع القوة والاقتدار، وإما أن تلتزم الصمت الحكيم، وتميل إلى الصلح والمهادنة المؤقتة، إلى أن تبلغ القوة التي تؤهلك لمقارعة الأعداء وكشف زيفهم .
وليس غريباً أن نجد هذه المعاني تتجلى في الأمثال الشعبية العراقية الأصيلة، التي تعبر عن تراكم حكمة الأجداد عبر العصور… ؛ فقد قيل: “اللي إيدك ما تكدر تلاويها بوسها , وادعي عليها بالكسر “، وهذا يعني أن من لا تستطيع مقاومته أو مجابهته، فعليك بمصالحته ومد يد الصداقة إليه، على الأقل مؤقتاً…؛ وقيل أيضاً: “الياخذ أمي يصير عمي”، وهذا مثل عميق يدل على ضرورة التكيف مع الظروف المستجدة، وتحويل العلاقات العدائية إلى علاقات حسن جوار وتعاون، إذا اقتضت المصلحة والضرورة ذلك .
وتشير الرؤى الاستراتيجية السياسية إلى ضرورة التكيف الذكي مع الظروف الدولية المتغيرة، ومراعاة موازين القوى الخارجية… ؛ فالعدو الذي لا تستطيع مواجهته اليوم، صالحه وهادنه، ومد يد التعاون إليه، فإن ذلك أدوم للأمن وأحفظ للدماء… ؛ فربما كان القبول بضرر بسيط اليوم هو السبيل الوحيد لدفع ضرر أكبر وأعم غداً.
إن الناس على دين ملوكهم، كما قيل قديماً، وقادة وساسة العراق اليوم مطالبون بالنظر إلى مصالح شعبهم قبل أي شيء آخر… ؛ فإن كانت القوة العالمية الكبرى تتجسد اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت مصلحة العراق والعراقيين تقتضي التعاون معها، فلا مناص من مد جسور التفاهم والحوار معها، والعمل على تأسيس علاقة متوازنة تخدم المصالح المشتركة… ؛ وإن كانت القوة ستتجسد في الصين أو روسيا غداً، وجب علينا يومئذٍ التوجه نحوهما , وهكذا … ؛ فالسياسة فن الممكن، وهي تقوم على التعامل مع الواقع القائم، لا على الأحلام والأماني .
وعليه، أيها الساسة الوطنيين الأكفاء، لا تبالوا بما تسمعونه من وسائل الإعلام المأجورة، ومنصات التواصل الاجتماعي التي تديرها أيادٍ حاقدة لا تريد الخير للعراق… ؛ واجلسوا مع الأميركان، وتفاوضوا مع البريطانيين، وتعاونوا مع كل القوى الدولية الفاعلة، إن كانت مصلحة الوطن العليا، ومصير الأغلبية العراقية ، واستقرار الأمة العراقية بأكملها، مرهونة بهذه التفاهمات وعقد تلك الاتفاقيات، حتى لو تطلب الأمر تقديم بعض التنازلات المؤقتة في بعض الملفات… ؛ فالأمن الوطني يُشترى، واستقرار البلاد يُحافظ عليه بكل الوسائل الممكنة .
وهل يعتقد أحدكم أن ساسة دول الخليج أغبياء أو أنهم لا يفهمون مصالح شعوبهم؟! لإنهم يقدمون التنازلات للغرب ويعقدون الاتفاقيات مع الأميركان … ؛ فهذا الامر , ليس ضعفاً أو هزيمة، بل إدراكاً منهم أن هذه هي الطريقة المثلى لضمان أمن واستقرار مجتمعاتهم… ؛ فها هي مجتمعاتهم تنعم بالأمن والأمان منذ عقود طويلة ، بينما كان العراق يغلي على صفيح ساخن من النار، فما إن يخرج من مصيبة حتى يقع في أتعس منها، وهكذا دواليك في دوامة لا تنتهي من المعارك والحروب والاضطرابات المتوالية، والحصار والإقصاء والتهميش… ؛ إنه لمن العبث بمقدرات الأمة أن نستمر في هذه الدوامة المفرغة، بينما غيرنا ينعم بالاستقرار والتنمية …!!
فلو خُيرت بين أن تدفع بعض المال للحفاظ على المواطن العراقي وكرامته وحياته، وبين أن تخسر المال والمواطن والوطن معاً، واخترت الخيار الثاني، فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن صاحبه من أغبى الأغبياء، وأنه لا يفقه من السياسة شيئاً… ؛ وعندها ينطبق عليه القول الشهير: “إذا كان الغراب دليل قوم، قادهم إلى ديار الخراب”… ؛ ولا نريد لعراقنا أن يكون ديار خراب .
لذا، وفي ظل هذه الظروف السياسية الإقليمية والدولية الراهنة، يجب على شيعة العراق أن يؤسسوا قاعدة سياسية وطنية صلبة ومستقلة، تعمل أولاً وأخيراً على تحقيق مصالح الأغلبية العراقية، وتقديم هذه المصالح على كل الشعارات الجوفاء، والأطروحات المثالية، والإيديولوجيات المتصلبة، والمعتقدات التي لا تخدم الواقع… ؛ وهذا المشروع الوطني الكبير يتطلب مد جسور التعاون والتفاهم مع القوى الكبرى في العالم، حتى مع من نعتبرهم أعداء تقليدين، فالسياسة قد تقلب فيها الموازين وقد تتغير التحالفات بين ليلة وضحاها .
انظروا الى الكويت… ؛ فالكويتيون يعلمون يقيناً أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من أعطت الضوء الأخضر لصدام لدخول الكويت واسترجاعها ، ومع ذلك، وبعد تحريرهم من قبضة صدام ، غنوا للأميركان، وصفقوا للرئيس بوش الأب، ورفعوا مكانته عالياً… ؛ لقد طوت الكويت صفحة الماضي المؤلمة، وركزت على بناء مستقبلها ومستقبل أبنائها. وهذا هو عين العقل والحكمة .
أما نحن في العراق، فإننا وإن كنا نعلم أن حزب البعث البائد المجرم قد وصل إلى السلطة في وقت من الأوقات بدعم غربي وقطار أمريكي، وأن أدوات التعذيب في سجونه كانت أمريكية الصنع، إلا أننا يجب أن نكون منصفين… ؛ فقد فعل الأميركان، ولأول مرة في تاريخهم مع العراق، فعلاً إيجابياً وحاسماً، تمثل في إسقاط النظام الدكتاتوري الأكثر قمعاً وإجراماً، وتسليم الحكم لشيعة العراق بعد قرون من التهميش، وإرساء أسس النظام الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة… ؛ وكان باستطاعة الأميركان، لو أرادوا، أن يغيروا رأس النظام فقط، ويبقوا على هيكل البعث المقبور، أو أن يحصروا السلطة بيد أقلية سنية جديدة، كما فعل البريطانيون من قبلهم، ولكنهم لم يفعلوا… ؛ لقد اختاروا خياراً مختلفاً، وفتحوا الباب أمام شيعة العراق ليصبحوا قادة البلاد .
لهذا، فمن الواجب على شيعة العراق، رغم كل الحقائق المؤلمة في الماضي، أن يطووا تلك الصفحة الغابرة، وأن يتعاونوا مع الأميركان ومع كل القوى الدولية الفاعلة، من أجل استمرار العملية السياسية، والحفاظ على التجربة الديمقراطية الفتية، وضمان التداول السلمي للسلطة، وإكمال مسيرة الإعمار والبناء التي انطلقت بعد عام 2003
إن هذا الخيار هو الخيار المنطقي والواقعي الوحيد الذي لا بديل عنه… ؛ أما أن يبقى شيعة العراق يغردون خارج السرب، في وقت نرى فيه كل الدول العربية والإسلامية والعالمية تقريباً تدور في فلك الغرب والأميركان، ونحن وحدنا نرفع راية الحرب غير المتكافئة مع أعتى قوة في التاريخ، فهذه ليست بطولة، ولا شجاعة، ولا إيماناً، وإنما هو انتحار سياسي ووجودي محض، وإلقاء بالنفس إلى التهلكة التي نهى الله ورسوله وال البيت عنها ؛ كما جاء في الاثر الاسلامي .
فهذا الموقف يتقاطع مع وصايا الائمة من آل البيت ؛ الذين أوصوا شيعتهم بضرورة الالتزام بالحذر والتقية، التي شرعت أصلاً لحفظ دماء المؤمنين المستضعفين والافراد الضعفاء من بطش الكفار والأعداء الأقوياء… ؛ فالتقية ليست جبناً ولا خوفاً، وإنما هي وسيلة ذكية للحفاظ على الذات والجماعة، والانتظار حتى يحين وقت القوة والتمكين .
فلا تستوحشوا، يا ساسة الأغلبية العراقية الأصيلة، من طريق السياسة الواقعية، فإنكم اليوم بين نارين لا ثالث لهما: نار الضغوط والتداعيات الخارجية، ونار القلاقل والاضطرابات الداخلية، والهجمات الإعلامية المشبوهة والساذجة من هنا وهناك… ؛ فاصبروا عليها، واثبتوا على طريق المصلحة الوطنية العليا ؛ اما اذا سرتم في الطرق المتعرجة وذهبتم نحو الخيارات والتحالفات الخارجية التي تؤخر مصلحة الاغلبية والامة العراقية وتقدم مصالح الانظمة الاخرى ؛ فانكم لا محالة ستهزمون شر هزيمة .
فالأمور بخواتيمها، والحكم على الأشياء بنتائجها… ؛ فوالله إن الخير كل الخير فيما يحفظ مكتسبات العملية السياسية، ويصون التجربة الديمقراطية، ويكفل التداول السلمي للسلطة، ويكبح جماح فلول البعث والإرهاب، ويحبط مخططات الأعداء .
نعم , إن الخير كل الخير في السير قدماً لتصحيح المسيرة السياسية، وتغيير المسار الخاطئ بما يحقق العدل والتطور والسلام والازدهار للعراق والعراقيين الأصليين، ويدفع عنهم شرور الأشرار، وكيد الاعداء، ومؤامرات الانظمة الطائفية الحاقدة .