ميسان.. أرض تمشي على الماء

إيهاب مقبل

ليست ميسان أرضًا تُقاس باليابسة وحدها، بل مساحة تتحرّك فوق الماء، وتتنفّس من بين القصب، وتكتب تاريخها بلغة الأهوار. هنا لا يكون الماء حدودًا، بل طريقًا، ولا تتحوّل الأرض إلى صلابة كاملة، بل تبقى في حالة توازن دقيق بين الغرق والحياة. في ميسان، يمشي الإنسان على الماء كما لو أنه يعرف سرّه، ويقيم مع الطبيعة علاقة شراكة لا صراع.

تقع محافظة ميسان في أقصى الجنوب الشرقي من العراق، عند تخوم الأهوار والحدود المفتوحة، حيث تتجاور اليابسة والماء في مشهد فريد شكّل واحدة من أقدم البيئات البشرية المستقرة في التاريخ. ليست المحافظة هامشًا جغرافيًا، بل قلبًا مائيًا نابضًا، شهد تعاقب الحضارات، من العصور القديمة إلى الدولة الحديثة، وبقي محتفظًا بذاكرة لا تجف، مهما تغيّر الزمن.

الاسم والجذور التاريخية
حملت ميسان أسماء عديدة عبر التاريخ، عكست تعدد الحضارات التي مرّت بها. عُرفت باسم ميسّين لدى الإغريق القدماء، وُعرفت باسم “ميشان” في السريانية، والفارسية الوسطى، والفرثية، وميشون في الأرمنية، قبل أن تستقر تسميتها العربية على ميسان. هذا التعدد في الأسماء ليس مجرد تحوّل لغوي، بل دليل على عمق المنطقة التاريخي ودورها كمفصل حضاري بين الشرق والجنوب.

وورد ذكر المنطقة أيضًا في المصادر الصينية خلال عهد أسرة هان باسم تياو-تشي، وهو ما تشير إليه بعض المصادر الصينية القديمة، في إشارة إلى إقليم كلداني جنوب العراق، ما يدل على اتساع شبكة الاتصال التجاري والثقافي التي كانت ميسان جزءًا منها.

في عام 324 قبل الميلاد، أسّس الإسكندر الأكبر مدينة خاركس سباسينو في هذه المنطقة، التي أصبحت لاحقًا عاصمة مملكة ميسان، إحدى الممالك المهمة في جنوب بلاد الرافدين. ويُعتقد أن آثار تلك الحقبة ما تزال قائمة في مناطق تُعرف محليًا بنيشان، شاهدة على مدينة قامت على التجارة والماء والموقع الاستراتيجي.

الماء بوصفه هوية
يشكّل الماء جوهر هوية ميسان. فالأهوار ليست مجرد بيئة طبيعية، بل نظام حياة كامل، أنتج نمطًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا خاصًا. القصب، الزوارق، الصيد، وتربية الجاموس، جميعها عناصر شكّلت علاقة الإنسان بالمكان، حيث تعلّم التكيّف بدل السيطرة، والصبر بدل الاستنزاف.

ورغم ما تعرّضت له الأهوار من تجفيف وتدمير في العقود الماضية، فإنها استعادت جزءًا من حياتها، وبقيت رمزًا للمقاومة البيئية والإنسانية، ودليلًا على أن ميسان قادرة على النهوض من الماء كما نهضت منه أول مرة.

العمارة: مدينة النهر والذاكرة
تُعدّ العمارة مركز محافظة ميسان وعاصمتها الإدارية، ومدينة ارتبط اسمها بنهر دجلة، الذي يمرّ فيها بهدوء، كأنه يعرف ثقل التاريخ الذي يحمله. نشأت العمارة كمدينة تجارية وإدارية، واحتفظت بطابعها الجنوبي الواضح، حيث تتداخل الأسواق الشعبية، والمقاهي، والعلاقات الاجتماعية المتينة.

لم تكن العمارة مدينة صاخبة، لكنها كانت دائمًا حاضرة، تؤدي دورها كعاصمة للماء، ومرآة لهوية ميسان المتشكّلة بين الريف والمدينة.

الأقضية: تنوّع المكان وتكامل الحياة
تضم محافظة ميسان مجموعة من الأقضية التي تشكّل نسيجها الاجتماعي والجغرافي، حيث لا يظهر التنوّع بوصفه انقسامًا، بل بوصفه تكاملًا في أنماط العيش والارتباط بالمكان. فقد ارتبط المجر الكبير تاريخيًا بالزراعة وتربية المواشي، وكان عبر مراحل مختلفة مسرحًا لتحركات اجتماعية وسياسية مؤثرة، عكست حيوية المجتمع المحلي وقدرته على الفعل والتأثير. وتمثّل قلعة صالح امتدادًا ريفيًا غنيًا، يعتمد سكانه على الزراعة وصيد الأسماك، ويحمل طابعًا عشائريًا واضحًا، تُنظّم فيه العلاقات الاجتماعية وفق منظومة تقليدية متماسكة. أما الكحلاء والميمونة، فتعكسان صورة المجتمع الزراعي الجنوبي في أنقى أشكاله، حيث تشكّل الأرض والماء عنصرين حاسمين في تشكيل نمط الحياة اليومي، وفي رسم علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة به. وفي شمال المحافظة، يقع علي الغربي بوصفه منطقة انتقالية بين ميسان ووسط العراق، يعتمد على الزراعة والتجارة المحلية، ويجمع بين خصائص الريف الجنوبي والتأثيرات القادمة من الداخل العراقي. هذا التنوّع الجغرافي والاجتماعي لم يُنتج تباعدًا، بل أسهم في بناء وحدة متماسكة، جعلت من ميسان محافظة متعدّدة الوجوه، موحّدة الهوية، رغم اختلاف البيئات داخلها.

الزراعة والحياة الحيوانية
تعتمد ميسان على الزراعة بوصفها نشاطًا اقتصاديًا رئيسيًا، حيث تُزرع محاصيل الحبوب، وعلى رأسها القمح والشعير، إضافة إلى الأرز في بعض المناطق القريبة من المياه، والخضروات الموسمية. كما تنتشر بساتين النخيل وأشجار الفاكهة في المناطق المستقرة نسبيًا.

أما الحياة الحيوانية، فتتميّز بوجود الجاموس، الذي يُعد رمزًا للأهوار، إلى جانب الأسماك المتنوعة، والطيور المائية والمهاجرة، مثل البط والبجع وطيور القصب. هذا التنوع البيئي جعل ميسان واحدة من أغنى مناطق العراق طبيعيًا، رغم الإهمال الطويل.

الإنسان الميساني: ابن الماء والصبر
تميّز إنسان ميسان بعلاقة خاصة مع المكان، علاقة تقوم على الصبر والتكيّف والهدوء. تعلّم العيش مع التقلبات، من فيضان وجفاف، ومن تهميش وصراع، دون أن يفقد ارتباطه بالأرض والماء.

الهجرة كانت خيارًا اضطراريًا لكثير من أبنائها، لكن العودة بقيت حلمًا حاضرًا، والهوية لم تنقطع، لأن ميسان ليست مكانًا يُغادر بسهولة، بل ذاكرة تمشي مع الإنسان أينما ذهب.

خاتمة
ميسان ليست محافظة تُقرأ من الخرائط، بل تُفهم من الماء. من الأهوار إلى العمارة، ومن القصب إلى المدن، تتشكّل حكاية عراقية عميقة، كتبت فصولها الأولى قبل آلاف السنين، وما تزال مفتوحة حتى اليوم.

في ميسان، لا تمشي الأرض على الماء فحسب، بل تمشي الذاكرة، ويواصل التاريخ مراقبة نفسه في انعكاس النهر.

انتهى