الإسلام ورعاية المسنين بغياب القوانين الوضعية والمشاريع الإنسانية الفاعلة
قال تعالى : ( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ﴾[ الإسراء: 23]
أحمد الحاج جود الخير
يعاني المسن عامة رجلا كان أو امرأة من التهميش والإهمال وفقدان الحنان وبعد الأقارب عنه ولسان حال أحدهم يردد بيت أبي العتاهية :
ألا ليتَ الشَّبابَ يعودُ يوماً …فأُخبِرَهُ بما فعَلَ المشيبُ
المسن قانونا هو كل من تجاوز سن الـ 60، منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة ، ومنهم غير متزوجين حاليا إما لطلاق أو عنوسة أو وفاة، وبما يؤشر الى عظم المسؤولية التي تقع على عاتق المجتمع بكل شرائحه لمساعدة هؤلاء ومنهم من يجمع بين الشيخوخة والإعاقة والعنوسة في آن واحد، بغياب العائلة الكبيرة الذرية التي كانت تؤمن للمسن في كنفها الرعاية الكافية ،إن لم يكن من قبل اﻷبناء فعلى يد اﻷحفاد، والتي حلت محلها العائلة الصغيرة النووية ( تضم زوجين وبين 1- 4 أطفال ) وهذه العائلة لا تحتمل وﻻ تتحمل رعاية كبار السن ﻷسباب كثيرة لعل من أبرزها ضيق المكان ، والقدرات المادية المحدودة ، فضلا عن إنشغال الزوجين بالوظيفة والعمل طيلة ساعات النهار علاوة على إنشغال اﻷولاد والبنات بالدراسة ، مع بروز ظواهر أخرى مصاحبة لا تقل خطرا متمثلة بالنزوح والتهجير والهجرة وشيوع ظاهرة المفقودين والمختطفين والمغيبين قسرا وجلهم قد ترك خلفه عوائل بأكملها بلا معيل ، زيادة على آباء وأمهات كبار في السن لم يعد أحد يهتم بهم ويرعاهم كما كان الحال عليه قبل عقود ، وهم الشريحة اﻷمس للرعاية والاهتمام وبما لا تستوعبه دور المسنين اﻷهلية والحكومية القليلة فهذه الشريحة التي خدمت المجتمع طويلا وأفنت شبابها من أجله بحاجة الى الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية والنفسية والثقافية والترفيهية المستمرة وبحاجة الى متابعة متواصلة تضمن أخذ العلاج بمواعيده وتأمين ومراقبة النظام الغذائي الخاص وقضاء الحاجات المناسبة لهم ، وأذكر الجميع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رَغِمَ أنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُهُ ” قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أحَدَهُما، أوْ كِلَيْهِما، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ” ، وقوله صلى الله عليه وسلم ” ألا أحدِّثُكم بأَكبرِ الكبائرِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللَّهِ، قال: الإشراكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالدينِ”.
اليوم بتنا نسمع كثيرا وعلى غير المعهود عن إبن عاق يرمى أمه العجوز مع أغراضها في الشارع ، بنت تطرد والدها المسن من بيتها إكراما لزوجها ، إرغام اﻵباء والامهات الطاعنين في السن على دخول دور المسنين ومن ثم تركهم هناك حتى من دون السؤال عنهم بعدها أبدا ، عقوقهما وضربهما وشتمهما من قبل أبنائهما ، كبار في السن يموتون وحيدين بعقر دورهم من دون أن يعلم بموتهم أحد ولأيام عدة الى حد التعفن لحين إخبار الجيران بوجود رائحة نتنة تنبعث من شقة أو منزل أحدهم لتأتي الشرطة وتكتشف حجم الفاجعة، وذلك في قصص محزنة ومروعة يشيب لهولها الولدان ، ولهؤلاء العاقين أعرض لهم الحديث النبوي الشريف : ” كلُّ ذنوبٍ يؤخِرُ اللهُ منها ما شاءَ إلى يومِ القيامةِ إلَّا البَغيَ، وعقوقَ الوالدَينِ، أو قطيعةَ الرَّحمِ، يُعجِلُ لصاحبِها في الدُّنيا قبلَ المَوتِ”، والحديث النبوي الشريف حين سُئِلَ النبي اﻷكرم صلى الله عليه وسلم عَنِ الكَبَائِرِ فَقالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ” وأشدد على أن البر لايكون في حياة اﻷبوين فحسب وإنما بعد موتهما أيضا ،وذلك بكثرة الدعاء والإستغفار لهما ، بالتصدق والحج والعمرة بالنيابة عنهما ، بإكرام معارفهما وأصدقائهما، بجميل ذكرهما والترحم عليهما،والمطلوب من الجهات المعنية في كل مكان :
– بناء أكبر عدد من دور المسنين العصرية المريحة وتزويدها بكافة الاحتياجات واللوازم والطواقم المدربة لرعاية كبار السن من كلا الجنسين في جميع المدن والاقضية .
– تخصيص راتب شهري مجز لهم .
– توفير اﻷدوية والعلاجات اللازمة وإخضاعهم للفحص الدوري في جميع المستشفيات والمؤسسات الصحية مجانا .
– توفير كراسي المشلولين والعكازات اﻷبطية والمرفقية ( الرباعية ، الثلاثية ، اﻷحادية ) مجانا .
-توفير سماعات خلف اﻷذن لضعاف السمع ، عصي الإرتكاز المخصصة للمكفوفين ، فرش التقرحات ،المرافق الصحية الخاصة المتنقلة والثابتة مجانا .
– توفير العلاج الطبيعي لهم مجانا ،وإجراء العمليات الجراحية لهم بلا مقابل وباﻷخص ما يتعلق منها بكسور الحوض والمفصل والرقبة .
– تثقيف المجتمع بمكانة المسن وكيفية التعامل معه في كل مكان وعند الإصابة بأمراض الاكتئاب ، الزهايمر ، البارنكسون ، هشاشة العظام ، ضعف السمع والبصر ، التهاب المفاصل الضموري ، سلس البول ، إضافة الى الضغط والسكري وأمراض القلب و الشرايين وما شاكل من أمراض الشيخوخة القاسية التي تتطلب الرعاية والمتابعة الدائمة نفسيا وجسديا ، ماديا ومعنويا .
وختاما أقول لا خير في مجتمعات لاترعى مسنيها في جميع المجالات ، وﻻ خير في شعوب لا تهتم بضعفائها وﻻ توليهم الرعاية اللازمة وعلى رأسهم كبار السن ومن بلغوا الشيخوخة ومن العمر عتيا ، وﻻ خير في أطباء لايعاملون المسنين كما يعاملون آباءهم وأمهاتهم ،ولاخير في أبناء يعقون آباءهم وأمهاتهم ولايبرونهم ، فأرحموا عزيز قوم ضعف وشاب بعد قوة وذل.
ولعظم شان الشيخوخة فأن معظم اﻷفلام السينمائية التي تناولتها أسوة بتلك التي تطرقت الى مرحلة التقاعد والترمل ومعاناتهما قد حصدت جوائز رفيعة ودخلت في سجل أفضل الافلام العالمية وأبرزها فيلم “عن شميدت” بطولة جاك نيكسلون، الذي حصل على 25 جائزة رفيعة ، وفيلم ” الشباب ” بطولة سير مايكل كين ، الذي حصد 16 جائزة ، كذلك فيلم “أغنية لماريون” ، وفيلم ” غلوريا” الحاصل على السعفة الذهبية ، فيلم”الرباعية”لداستين هوفمان وغيرها ما يدل على أن للشيخوخة سحر آخاذ يأخذ بالمشاعر واﻷلباب لرقة وضعف أبطالها ممن أوصت الشرائع السماوية برعايتهم على الوجه اﻷمثل ، بتقبيل أياديهم وأقدامهم ، إيوائهم والترفق بهم ، السعي في حاجاتهم ، تلبية مطالبهم ، أنفاذ وصاياهم ، علاجهم ، مساعدتهم ، التسابق لتلبية إحتياجاتهم ، الدفاع عنهم ، العيش ببركة دعائهم ، وصدقا ما قاله الشاعر راشد السلمي ،عن الشيخوخة ومآسيها :
فصرت الآن منحنيا كأني…أفتش في التراب عن شبابي
نقلا عن كتابي : ( لماذا أحب محمدا ﷺ ؟) بكل لغات العالم الحية