حسن درباش العامري
بعد حادثة اقرار حق العراق في حقوقة السيادية ومواقف الدول العربيه التي يدعمها العراق ….
ليس من المنطقي أن يبقى العراق دولة تُدار علاقاتها الخارجية بروح المجاملة فيما العالم يُدار بمنطق المصالح. السياسة الدولية ليست ساحة عواطف، ولا منصة بيانات تضامن، بل ميدان تبادل منافع، وتوازن قوى، وحسابات دقيقة. ومن يريد أن يكون دولة حقيقية، عليه أن يتصرف كدولة لا كطرفٍ يبحث عن رضا الآخرين.
لقد آن الأوان أن يعيد العراق تعريف طبيعة علاقاته مع الدول الأخرى وفق مبدأ واضح: المعاملة بالمثل وتبادل المصالح. فلا دعم بلا موقف، ولا منحة بلا مقابل، ولا اصطفاف مجاني في ملفات دولية لا تخدم المصلحة العراقية.
العالم لا يحترم الدول التي تمنح دون حساب، بل يحترم الدول التي تعرف ماذا تريد، ومتى تعطي، ومتى تمتنع.
التبرعات السياسية… نزيف بلا عائد
ليست المشكلة في التعاون، بل في العطاء غير المشروط.
الدول القوية حين تقدم دعماً، فإنها تستثمر في نفوذ سياسي أو اقتصادي. أما أن يُقدم الدعم دون مردود واضح، فذلك يضعف موقع الدولة ولا يقويه.
العراق بلد يمتلك النفط، والموقع الجغرافي، والعمق التاريخي، والقدرة البشرية. هذه عناصر قوة يجب أن تُستخدم كورقة تفاوض، لا أن تُبدد في سياسات عاطفية أو ردود أفعال ظرفية.
المعاملة بالمثل… قاعدة السيادة
في العرف الدبلوماسي، المعاملة بالمثل ليست خيارًا بل قاعدة.
إذا كانت دولة ما لا تساند العراق في قضاياه المصيرية — من ملف المياه إلى الأمن والاقتصاد — فمن الطبيعي أن يُعاد النظر في مستوى التعاون معها. ليس عداءً، بل اتزانًا.
الدبلوماسية الناجحة لا تعني القطيعة، بل تعني إعادة ضبط العلاقات بما يخدم المصلحة الوطنية أولًا.
إعادة بناء السياسة الخارجية
الدولة الحقيقية لا تتحرك بردود الأفعال، بل برؤية استراتيجية.
العراق بحاجة إلى سياسة خارجية تقوم على:
تنويع الشراكات دون الارتهان لمحور واحد.
ربط كل اتفاقية بعائد اقتصادي مباشر.
استثمار الموقع الجغرافي كمركز عبور إقليمي.
تحويل الطاقة والموارد إلى أدوات نفوذ لا مجرد صادرات خام.
العلاقات الدولية ليست بيانات تأييد، بل شبكة مصالح متبادلة.
السفراء… خط الدفاع الأول
أول خطوة في هذا المسار تبدأ من السلك الدبلوماسي.
السفير ليس منصبًا تكريميًا ولا مكافأة سياسية، بل هو ممثل سيادة الدولة وصانع فرصها في الخارج.
عندما يُختار السفراء على أساس المحاصصة، تُفرغ السفارات من دورها الحقيقي.
المطلوب اختيارهم وفق معايير صارمة:
الكفاءة والمعرفة بالقانون الدولي.
إتقان لغة الدولة المضيفة وثقافتها.
خبرة في التفاوض الاقتصادي والسياسي.
تقييم دوري للأداء وربط المنصب بالنتائج.
فالسفير الناجح يستطيع أن يجلب استثمارًا، أو يحل أزمة، أو يمنع قرارًا يضر ببلده. أما السفير الضعيف فيكتفي بالمناسبات والصور.
دولة تحترم نفسها
لكي يكون العراق دولة حقيقية، عليه أن يتخلى عن سياسة المجاملة غير المحسوبة، وأن يعتمد مبدأ المصالح المتبادلة بوضوح وجرأة. السيادة لا تُمنح ببيان، بل تُثبت بموقف. والاحترام الدولي لا يُشترى بالهبات، بل يُنتزع بحسن الإدارة وقوة القرار.
العراق لا يحتاج إلى صراعات، لكنه يحتاج إلى وضوح.
ولا يحتاج إلى خصومات، لكنه يحتاج إلى توازن.
ولا يحتاج إلى شعارات، بل إلى سياسة تعرف أن العالم لا يعترف إلا بمن يحسن الدفاع عن مصالحه.
فهل حان وقت دبلوماسية المصالح؟
أم سنبقى ندور في فلك المجاملات بينما تتحرك الدول من حولنا بثبات نحو أهدافها؟
الجواب ليس في الخارج… بل في قرارنا نحن.