العقل تحت الحصار، من يسرق وعي العراقيين؟

عيسى السراي

الدكتور عيسى السراي

أخطر ما يُسرق من الشعوب ليس المال ولا الأرض… بل وعيها. وفي ظل الفوضى الإعلامية وانتشار الأخبار الخالية من المصادر، تحوّل التضليل إلى صناعة، تُدار باحتراف، هدفها السيطرة على المزاج الشعبي، ودفعه نحو القلق والانقسام والاضطراب. فلم تعد المعركة في الشارع فقط، بل أصبحت في العقول، حيث تُخاض بصمت، وتُحسم قبل أن يشعر الناس.
من هنا، لم يعد ضبط الجيوش الإلكترونية السلبية خيارًا، بل ضرورة وطنية، لتنظيف الواقع الافتراضي من هذا التشوّه المتعمّد، كما واجهنا سابقًا المحتوى الهابط. فحماية الذوق العام لا تنفصل عن حماية العقل العام، وصيانة الوعي لا تقل أهمية عن صيانة الأمن.
لكن المشهد يزداد وضوحًا حين ندرك أن الرأي العام في العراق اليوم يتأثر بثلاث قوى رئيسية:
أولًا: الإعلام الحزبي
حيث يمتلك كل حزب أدواته ومنصاته، يوجّهها لا لبناء وعي مجتمعي، بل لتسقيط المنافس السياسي. فتحوّل الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة صراع وسلاح لتشويه الحقيقة، مبتعدين عن منبر الاعلام الاستقصائي.
ثانيًا: الإعلام الخارجي
الذي لا ينظر إلى الداخل إلا من زاوية مصلحته، فيبدو إيجابيًا حين يخدم أجندته، وسلبيًا حين يريد الضغط والتأثير، دون اكتراث بحقيقة الواقع أو مصلحة المجتمع.
ثالثًا: إعلام المجتمع
إذ يتشكل من أفراد تشبّعوا بخطاب الإعلام الحزبي والخارجي، فتحوّلوا من متلقّين إلى مكرّرين، ومن أصحاب رأي إلى أدوات صدى، يحبّون ما يُطلب منهم أن يحبّوا، ويكرهون ما يُراد لهم أن يكرهوا، بلا تفكير، ولا منطق، ولا ميزان.
حتى بات بعضنا لا يفكّر… بل يعيد بثّ ما تراه عيناه وما يُلقَّن له سمعه.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
هل رأيك نابع من قناعتك… أم مما تسمعه لان الجميع يسمعه؟
ولذلك، رسالتي إلى شبابنا:
(لا تُصفِّط عقلك وتُضمّه)… بل استخدمه.
فكّر.
قارن.
حلّل.
اكتشف.
انظر إلى واقعك اليوم، وقارنه بوضعك قبل أربع سنوات:
على مستوى الأمن، والخدمات، والمعيشة، والطرق، والرؤية، وفي نفسيتك، في أملك بالمستقبل.
اسأل نفسك بإنصاف:
هل نحن في تراجع أم تقدّم؟
فالوعي مسؤوليتك الأولى تجاه نفسك، بل مسؤولية وطنية، ومن يفرّط بعقله، يفرّط بوطنه دون أن يشعر.
د. عيسى علي السراي
دكتورا في القانون العام