من يسيطر على مضيق هرمز يسيطر على الحرب بأكملها

خالد الغريباوي

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق بل هو العقدة المفصلية للطاقة العالمية، حوالي 20% من النفط الذي يُستهلك في العالم كل يوم يمر عبر هذا الشريان الحساس أي تهديد لهذا الممر هو تهديد مباشر لنظام الطاقة العالمي اليوم إيران تسيطر على المضيق بأساليب متقدمة تجمع بين الاستراتيجية التقليدية والتقنيات الحديثة فهي تزرع الألغام البحرية بشكل ممنهج داخل الممرات الضيقة وتستخدم آليات تحريك وتحكم متطورة تسمح لها بالتحكم عن بعد في مواقع الألغام وتهيئتها للتفجير عند مرور السفن المستهدفة وهذه الآليات مستوحاة من أساليب استخدمتها إيران سابقًا خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات حيث كانت توضع الألغام على طول الممرات البحرية الضيقة لإجبار السفن على تغيير مساراتها أو تعريضها للغرق وإلحاق خسائر كبيرة، والآن إيران تطور هذه الأساليب مع تقنيات حديثة تمكنها من زرع ألغام ذكية يمكن التحكم فيها عن بعد أو تفجيرها آليًا عند الاقتراب من السفن، وفي الوقت نفسه تفرض على كل سفينة تجارية أو عسكرية الراغبة في العبور أن تطلب إذن المرور منها وإلا فإنها ستواجه خطر الاصطدام بالألغام أو هجمات محددة من الزوارق السريعة وطائرات الدرون الصغيرة المسلحة، ما يجعل المضيق اليوم تحت سيطرة شبه كاملة لإيران ويحول مرور السفن إلى موقف رهينة تحت إرادة طهران، وقد تسبب هذه السيطرة في جنون الرئيس الأمريكي السابق ترامب الذي وصف التحركات الإيرانية بأنها تصعيد جنوني ويتطلب رداً فورياً وقوياً لمنع أي تهديد لملاحة النفط العالمية.

الارتباك والتردد الدولي حول ما تفعله إيران في المضيق جعل شركات الشحن الكبرى تغير مساراتها وتضيف أقساط تأمين مرتفعة بما يزيد تكلفة الشحن بنسبة تتراوح بين 200% و300% وكل لحظة تمر بدون تأمين الملاحة تزيد من الضغط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على واردات الطاقة الخليجية وكل ارتفاع بحوالي 10 دولارات في سعر البرميل يعني زيادة فورية في تكلفة الوقود بنحو 0.14 دولار للغالون في الولايات المتحدة وزيادة في أسعار الكهرباء والتدفئة في دول الاتحاد الأوروبي.

وفي حال أسوأ وأكثر سوداوية يمكن أن تتفاقم الأزمة إذا تدخل الحوثيون في باب المندب المحور الجنوبي للملاحة البحرية عبر البحر الأحمر وأصبحوا يشكلون عقبة حقيقية أمام مرور السفن التجارية والطاقة إلى أوروبا وآسيا حيث يمر عبره نحو 4 ملايين برميل يوميًا من النفط وخطر استهداف السفن أو إغلاق الممر قد يضاعف الكارثة الاقتصادية الأسواق العالمية ستنهار والسفن ستتوقف والمخزون الاستراتيجي قد لا يكفي لتغطية الطلب وسترتفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 150 دولارًا للبرميل مع تباطؤ اقتصادي عالمي شامل وتفاقم التضخم إلى مستويات قد تتجاوز 10% في بعض المناطق والإنفاق الاستهلاكي سينكمش والبنوك المركزية ستضطر لرفع الفوائد بينما تنهار أسواق الأسهم ويخسر المستثمرون مليارات الدولارات خلال أيام.

الاقتصاد العالمي مترنح أصلاً تحت وطأة الديون المرتفعة وأي صدمة جديدة في أسعار الطاقة ستدفع العالم إلى دوامة من الأزمات المتزامنة والسيناريو الأسوأ هو توقف كامل لحركة الشحن في هرمز وباب المندب معًا في هذه الحالة لن تكون الأزمة اقتصادية فقط بل جيوسياسية التحالفات ستتغير والدول الكبرى ستدخل صراعًا مباشرًا لضمان سلامة الإمدادات وستتحول المياه التي كانت طريقًا للبترول إلى ميدان حرب مفتوح ولن يكون هناك مهرب للعالم من تداعياتها الكارثية من يسيطر على هرمز اليوم ومعه أي تهديد لباب المندب يملك ليس فقط ورقة الحرب بل ورقة الاقتصاد العالمي بأكمله واستمرار السيطرة الإيرانية وتوسع النفوذ الحوثي قد يدفع العالم إلى حلقة من الأزمات الاقتصادية والسياسية لا يمكن التنبؤ بعواقبها.