في ظل التوترات العسكرية التي تعصف بالمنطقة، يعيش النظام الإيراني حالة من الرعب غير المسبوق، لكن هذا الذعر لا ينبع من الضربات الخارجية أو الحرب الجارية، بل من الغضب الشعبي المتصاعد في الداخل. وفي اعتراف صريح بهذا الخوف الداخلي العميق، نقلت قناة خبر فوري التابعة للنظام على تطبيق تليغرام، يوم الأحد، تصريحات لقائد قوات الشرطة القمعية، أحمد رضا رادان، أعلن فيها عن شن موجة من حملات الاعتقال الواسعة والمكثفة في مختلف المدن الإيرانية.
وأسفرت هذه الحملة التعسفية السريعة عن اعتقال 500 شخص دفعة واحدة. وزعم رادان أن 250 من هؤلاء المعتقلين يمتلكون ملفات أمنية مهمة، حيث وُجهت لهم تهم تتعلق بتسريب معلومات ميدانية لوسائل الإعلام الأجنبية، والتواصل المباشر مع مجموعات المعارضة الإيرانية، وتصوير المواقع التي تعرضت للاستهداف، فضلاً عن محاولة الإخلال بما تصفه السلطات بـ النظام العام.
ولم يتوقف قائد القوات القمعية عند هذا الحد، بل شدد على أن من بين هؤلاء المائتين والخمسين، هناك 20 معتقلاً يمثلون حالات حساسة ورئيسية للغاية. وتعكس هذه التصريحات والإجراءات بوضوح عمق الأزمة الهيكلية التي يمر بها النظام الإيراني، وتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن قادته يدركون تماماً أن الخطر الوجودي الحقيقي يأتيهم من الداخل. إن خوف النظام من الشعب الإيراني، ومن قدرته على التنظيم واندلاع انتفاضة عارمة، يتجاوز بكثير رعبه من أي حرب خارجية أو تهديدات عسكرية أجنبية.
وتزامناً مع هذه الاعتقالات العشوائية التي تهدف إلى إجهاض أي تحرك، لجأ النظام الإيراني إلى نشر وتفريق أعداد هائلة من قواته القمعية وعناصره الأمنية في الشوارع الرئيسية والساحات العامة والميادين الحساسة، في محاولة يائسة لفرض السيطرة العسكرية وبث الرعب في نفوس المواطنين ومنع أي تجمعات.
وتترافق هذه العسكرة الشديدة للمدن مع عمليات قطع واسعة وممنهجة لشبكة الإنترنت في العديد من المناطق الإيرانية، والتعتيم المتعمد لشبكات الاتصال. ويهدف هذا الإجراء القمعي المألوف إلى عزل الإيرانيين تماماً عن العالم الخارجي، ومنع شباب الغاضب من التواصل والتنسيق، وحجب وصول الصور ومقاطع الفيديو التي تفضح هشاشة النظام وارتباكه إلى وسائل الإعلام الحرة.
وتأتي كل هذه الإجراءات القمعية الصارمة لأن النظام الإيراني يعلم جيداً أن غضب الشعب لم ولن يخمد أبداً. فالجراح العميقة التي خلفتها المذبحة الدموية التي ارتكبها النظام في شهر يناير الماضي، والتي راح ضحيتها آلاف الشباب والمواطنين العزل، لا تزال تنزف في قلوب وعقول الإيرانيين. لقد شكلت دماء هؤلاء الشهداء حاجزاً لا يمكن عبوره، ولم تعد وعود النظام أو تهديداته تجدي نفعاً.
إن الشارع الإيراني اليوم يغلي بصمت ويترقب اللحظة المناسبة، حيث يتحين المواطنون الفرصة المواتية لاستئناف انتفاضتهم المجيدة لإسقاط هذا الاستبداد بشكل نهائي. وما هذه الاعتقالات الواسعة وحملات الترهيب وقطع الإنترنت إلا محاولات يائسة ومكشوفة من نظام يدرك أن نهايته قد اقتربت، وأن السقوط سيكون حتمياً على أيدي أبناء الشعب الإيراني الذين يرفضون الاستسلام لآلة القمع.