الاختيار بين الخطر و الضرر..

ضياء المهندس

في لحظات الخطر الوجودي، لا تعمل الدول بالآليات الروتينية نفسها التي تُدار بها في أوقات السلم. فالتاريخ يخبرنا أن الدول حين تواجه تهديدات كبرى تعيد تشكيل قيادتها السياسية لتتلاءم مع طبيعة المرحلة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية حين كُلِّف ( ونستون تشرشل) بقيادة الحكومة بصفته رئيس وزراء حرب، لأن المرحلة لم تكن تحتاج إلى مدير حكومة تقليدي، بل إلى قائد يمتلك الإرادة والقدرة على إدارة معركة وجودية.
العراق اليوم في لحظة مشابهة
العراق يقف اليوم على حافة تحولات إقليمية خطيرة، مع تصاعد المواجهة بين ايران من جهة، وبين اسرائيل و امريكا من جهة أخرى.
هذه المواجهة ليست مجرد صراع بعيد عن الجغرافيا العراقية، بل هي صراع يدور في قلب المنطقة التي يقع العراق في مركزها الجغرافي والسياسي. فالأجواء، والقواعد العسكرية، وشبكات النفوذ، وممرات الطاقة، كلها تجعل العراق ساحة محتملة لتصفية الحسابات.
وهنا تظهر المشكلة الجوهرية:
الدولة العراقية ما تزال تُدار بعقلية حكومة خدمات وإدارة يومية، بينما الواقع الإقليمي يفرض منطق إدارة أزمة كبرى.
الفرق بين رئيس حكومة عادي ورئيس وزراء حرب
رئيس الوزراء في الظروف الطبيعية ينشغل بالملفات الاقتصادية والخدمية والبيروقراطية.
أما رئيس وزراء الحرب فله مهام مختلفة تماماً، أهمها:
✓ إدارة الأمن الوطني كأولوية مطلقة، وتوحيد القرار العسكري والاستخباري.
✓ منع تحويل العراق إلى ساحة حرب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية.
✓ إدارة العلاقات الدولية ببراغماتية عالية لحماية السيادة العراقية.
✓ توحيد القوى السياسية خلف هدف وطني واحد بدلاً من الانقسام الداخلي.
✓ تأمين الاقتصاد الوطني ضد الصدمات التي قد تفرضها الحرب الإقليمية.
لماذا يحتاج العراق إلى هذه الصيغة الآن؟
المعادلة الإقليمية اليوم شديدة الخطورة.
فتوسع للحرب بين إيران وخصومها يؤدي إلى:
_ استهداف القواعد العسكرية داخل العراق.
” تعطيل تصدير النفط أو طرق الطاقة.
_ انفلات أمني نتيجة انخراط الفصائل في الصراع.
_ ضغط دولي هائل على بغداد لاتخاذ مواقف حادة.
في مثل هذه الظروف، لا يكفي وجود حكومة محكومة بتوازنات الكتل السياسية أو حسابات الانتخابات.
بل تحتاج الدولة إلى قيادة مركزية قوية قادرة على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة.
العراق بحاجة الى حكومة تعبئة وطنية فيه فكرة “رئيس وزراء حرب” لا تعني عسكرة الدولة أو إلغاء السياسة، بل تعني إعادة ترتيب الأولويات الوطنية.
أي تشكيل حكومة تعبئة وطنية تُدار بعقلية حماية الدولة أولاً، قبل أي حسابات حزبية أو فئوية.
كما فعلت بريطانيا حين وضعت خلافاتها السياسية جانباً ووقفت خلف قيادة واحدة بقيادة تشرشل حتى نهاية الحرب.
الخلاصة
العراق اليوم ليس مجرد بلد يعيش أزمة سياسية داخلية، بل هو دولة تقف في قلب عاصفة إقليمية قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكون السؤال:
من سيحكم العراق؟
بل السؤال الأهم:
من يستطيع حماية العراق من أن يتحول إلى ساحة حرب الآخرين؟
وهنا تبرز فكرة تكليف رئيس وزراء حرب، ليس بوصفها ترفاً سياسياً، بل باعتبارها خياراً استراتيجياً لحماية الدولة العراقية في زمن العواصف.

البروفسور د. ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي