شريعة الغاب: لماذا ينتصر ذو الناب ؟

رياض سعد

منذ فجر التاريخ، خاض بنو البشر صراعًا مزدوجًا: صراعًا مع الطبيعة وأحيائها، وصراعًا أشد قسوة فيما بينهم… ؛ وقد أُريقت الدماء، دماء الحيوان والإنسان على حد سواء، في مسيرة طويلة من التنازع والبقاء… ؛ ولعل قصة هابيل وقابيل تمثل تلك اللحظة التأسيسية المأساوية، حيث يُقتل البريء المسالم، وينجو المعتدي، في مشهد يزرع في الوعي الإنساني المبكر سؤالًا مريرًا: هل تكون الغلبة للحق فعلًا، أم للقوة؟
هذه الإشكالية لم تغادر مسرح التاريخ، بل ظلت تتكرر بأشكال مختلفة، حتى عبّر عنها أبو الطيب المتنبي في بيته الشهير :
الظلمُ من شِيَمِ النفوسِ *** فإن تجدْ ذا عفّةٍ فلعلّةٍ لا يَظلم
يضعنا هذا البيت أمام رؤية قاتمة للطبيعة البشرية، إذ يصوّر الظلم كأصل، والعدل كاستثناء مشروط… ؛ وكأن الإنسان، في جوهره، ميّال إلى العدوان، لا يكبحه إلا عجزٌ أو ظرف… ؛ وهذه النظرة، وإن بدت متشائمة، تجد صداها في الواقع الاجتماعي؛ إذ كثيرًا ما نشهد تحوّل بعض الأفراد من حال الضعف إلى ممارسة التسلط بمجرد امتلاكهم أدوات القوة، فينكشف حينها ما كان مستترًا…؛ ولذا نشاهد الكثير من الفقراء والضعفاء، ما أن يلحقوا بركب الأغنياء والأقوياء، حتى يكشروا عن أنيابهم، وتظهر حقيقتهم، وينكشف معدنهم الرديء… ؛ ومن هنا قالوا:الطبع غلب التطبع .
على المستوى الفكري، تطورت هذه الرؤية لتأخذ طابعًا أكثر تنظيرًا مع بروز مفاهيم مثل نظرية البقاء للأصلح، التي ارتبطت باسم تشارلز داروين… ؛ ورغم أن هذه النظرية وُلدت في سياق بيولوجي لتفسير تطور الكائنات، فإن إسقاطها على المجتمعات البشرية أفرز ما يُعرف بالداروينية الاجتماعية، حيث يُبرَّر التفاوت والهيمنة باعتبارهما نتيجة “طبيعية” لصراع البقاء .
ذهب البعض إلى أن مسألة “البقاء للأقوى” ليست فكرة بشرية فحسب، بل هي قانون كوني يشبه نواميس الطبيعة الأخرى. لذا أنشد الشاعر قائلاً :
اقتضت نواميس الكون أن لا يعيش الضعفاء
إن من كان ضعيفاً أكلته الأقوياء
نعم، هذه حقيقة الحياة: القوي يستغل الأقوى، والضعيف يؤذي الأضعف… ؛ فمَن كان ضعيفاً تلقى صفعات لا تُعد ولا تُحصى من الأقوياء… .
إنها حقيقة وجودية: كل كائن إما مفترس وإما فريسة… ؛ القوي يستغل من هو دونه، والضعيف يجد من هو أضعف منه ليعوض هوانه… ؛ إنها سلسلة غذائية كونية، لا ترحم ولا تعرف قيمة اسمها الرحمة… ؛ لذا قيل: ان عداوة الاقوياء للضعفاء طبع لا يستطاع تغييره … ؛ لأنها ليست نزعة عابرة، بل بنية وجودية متجذرة في الكينونة .
وعليه، من الحماقة والغباء أن ينتظر الفلسطيني أو العربي من الإسرائيلي العطف والرحمة… ؛ ومن السخافة وانعدام الوعي السياسي أن يأمل مواطنو دول العالم الثالث أن تساعدهم دول العالم المتحضر للحاق بهم، والخروج من دائرة التخلف والضعف والاستهلاك .
وكذلك من السذاجة أن يحارب الضعفاء الأقوياء من دون الاستعداد المطلوب، والخروج من دائرة الضعف إلى دائرة القوة… ؛ إذ من أوضح الواضحات أن الذكي ينتصر على الغبي، والقوي على الضعيف، والغني على الفقير، والعالم على الجاهل … ؛فمن لا يعرف هذه المقدمات الواضحة، يبقى يتخبط خبط عشواء، ويبقى يدور في نفس الدوامة، حتى يهلك قوم، ويأتي محلهم آخرون .
الحقيقة المرة في العالم المعاصر : القوة وحدها تفرض الاحترام، والضعف يستدعي الافتراس… ؛ فإما أن تتحول إلى ذئب، وإما أن تظل فريسة… ؛ ومن ظن أن البشرية قد تجاوزت شريعة الغاب، فهو واهم… ؛ لم تتجاوزها، بل تعلّمت كيف تلبسها أثواب الحضارة .
سياسيًا، تُستثمر هذه الفلسفة لتبرير سياسات الهيمنة والتوسع وفرض الأمر الواقع… ؛ فالدول القوية لا ترى في ضعف غيرها إلا فرصة، ولا في تخلف الآخرين إلا مجالًا للنفوذ… ؛ ومن السذاجة السياسية الاعتقاد بأن العلاقات الدولية تُدار بمنطق الأخلاق وحدها؛ إذ تحكمها، في جوهرها، موازين القوة والمصالح… ؛ ولذلك، فإن انتظار الرحمة من خصمٍ متفوق، أو التعويل على دعمٍ مجاني من قوى كبرى، دون امتلاك أدوات التأثير، هو رهان خاسر قبل أن يبدأ .
فهل آن الأوان أن نصحو من سباتنا الوجودي، وندرك أن الرحمة لا تُمنح، بل تُنتزع؟ وأن من لا يكون في موقع القوة، يكون في قائمة الطعام؟
اجتماعيًا، تتجلى هذه الفلسفة في بنى غير عادلة، حيث يُعاد إنتاج التفوق والامتياز، ويُدفع الضعفاء إلى الهامش… .
أما نفسيًا، فإن الإحساس بالعجز قد يولّد نزعتين متناقضتين: إما استسلامًا يبرر الواقع، أو رغبة كامنة في الانتقام تتفجر عند أول فرصة للتمكين… ؛ وفي كلا الحالين، يبقى الإنسان أسير دائرة القوة والضعف، ما لم يُدرك أن الخروج منها يتطلب بناء وعي مختلف، لا يكتفي بتفسير الواقع بل يسعى إلى تغييره .
إن الإقرار بوجود منطق القوة في العالم لا يعني التسليم به كقدر محتوم، بل يستدعي فهمه لتجاوزه… ؛ فالتاريخ، وإن كُتب كثيرًا بلغة الغالب، لم يخلُ من لحظات انتصارٍ للعدل حين امتلك أصحابه أسباب القوة المادية والمعنوية معًا… ؛ وعليه، فإن الطريق ليس في إنكار هذه السنن والقوانين ، ولا في الارتماء في أحضانها، بل في إعادة تعريف القوة ذاتها: قوة العلم، والتنظيم، والوعي، قبل أن تكون قوة البطش والغلبة .
وفي النهاية، فإن من يجهل هذه الحقائق يظل يدور في حلقة مفرغة، يتخبط في تفسير ما يحدث حوله، حتى يهلك جيل، ويأتي آخر ليعيد طرح السؤال ذاته: هل نحيا لنكون أقوى، أم لنكون أعدل؟