ترامب وصدام: حين يعيد الماضي إنتاج نفسه… وفشل الرهان الأمريكي الإسرائيلي

خالد الغريباوي

في مطلع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، كان نظام صدام في بدايات حكمه، يراهن على حرب خاطفة تُسقط النظام الإيراني الوليد وتُنهي ثورة أية الله الخميني قبل أن تترسخ ، غير أن ما ظنه معركة سريعة، تحوّل إلى واحدة من أطول وأقسى حروب الاستنزاف في تاريخ الشرق الأوسط، انتهت بنتيجة معاكسة تمامًا لما خُطط لها.

اليوم، يتكرر المشهد بصيغ مختلفة، لكن بالعقلية ذاتها، خطاب الضغوط، التهديد، والعقوبات الذي تبنّته إدارة دونالد ترامب، والمدعوم إسرائيليًا، يقوم على الفكرة نفسها: إسقاط النظام من الداخل عبر الضغط من الخارج، ودفع الشعب للانقلاب على قيادته، لكن التاريخ مرة أخرى، يكشف محدودية هذا الرهان.

ما لم يدركه نظام صدام آنذاك، وكررته السياسات الأمريكية والإسرائيلية لاحقًا، هو أن الضغط الخارجي لا يُضعف الأنظمة بالضرورة، بل كثيرًا ما يقوّيها. ففي لحظة التهديد، تتحول الشعوب إلى كتلة واحدة، وتتراجع الخلافات الداخلية أمام شعور مشترك بالخطر. وهنا تحديدًا، تتشكل شرعية من نوع مختلف: شرعية الصمود في وجه “العدو”.

لقد التفّ الإيرانيون حول نظامهم خلال الحرب، رغم كل الخلافات، لأنهم رأوا في الصراع تهديدًا لوجودهم لا مجرد نزاع سياسي. وهكذا، تحولت الحرب من محاولة لإسقاط النظام إلى أداة لترسيخه. خرجت الجمهورية الإسلامية من الحرب أكثر تماسكًا، أكثر حضورًا، وأكثر قدرة على فرض نفسها.

واليوم، ومع تصاعد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، يتكرر السيناريو ذاته. فكل تهديد، كل عقوبة، وكل دعوة لإسقاط النظام، تتحول داخليًا إلى وقود يعزز التلاحم الشعبي، ويمنح القيادة شرعية تتجاوز حتى آليات السياسة التقليدية. إنها “شرعية المظلومية”، التي تُبنى على شعور عميق بأن الامة الايرانية مستهدفة من الخارج.

وهنا يكمن الفشل الحقيقي للرهان الأمريكي الإسرائيلي: فهم يعتقدون أن الضغط يُفكك الداخل، بينما هو في كثير من الأحيان يعيد تشكيله على نحو أكثر صلابة. يظنون أن الشعوب ستثور على أنظمتها، لكنها في لحظات الخطر تختار الاصطفاف معها.

كما أخطأ نظام صدام في تقدير نتائج حربه، أخطأت السياسات الأمريكية والإسرائيلية في فهم طبيعة المجتمعات التي تستهدفها. والنتيجة واحدة: بدلاً من إضعاف الخصم، يتم منحه أسباب البقاء والقوة.