محمود المفرجي الحسيني
محمود المفرجي الحسيني – تحليل سياسي
لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد تصعيد عسكري عابر، بل تحولت إلى لحظة مفصلية تعيد رسم قواعد الاشتباك وتكسر الخطوط الحمراء التي حكمت الصراع لعقود. فبعد اغتيال علي لاريجاني واستهداف المفاعل النووي الإيراني، دخلت المنطقة في طور جديد عنوانه المواجهة المباشرة، حيث تبنّت طهران بشكل واضح معادلة “العين بالعين”، منهية بذلك مرحلة الصبر الاستراتيجي التي طالما راهنت عليها.
ورغم أهمية شخصية لاريجاني في المشهد السياسي الإيراني، إلا أن غيابه لم يُحدث خللًا بنيويًا في النظام. ذلك أن الجمهورية الإسلامية تقوم على منظومة مؤسساتية مترابطة، تتوزع فيها مراكز القرار بين القيادة العليا، والمؤسسات الأمنية، والحرس الثوري، ما يجعلها قادرة على امتصاص الصدمات والاستمرار دون تأثر جوهري بالأفراد. هذا التماسك يعكس طبيعة النظام الذي بُني ليكون عابرًا للأشخاص، لا رهينة لهم.
لكن الحدث الأخطر، والذي يمكن وصفه بالخطأ الاستراتيجي، هو استهداف المفاعل النووي الإيراني. فهذه الضربة لم تُضعف إيران بقدر ما منحتها شرعية الرد الواسع، وفتحت أمامها المجال لإعادة تعريف مسرح العمليات. إذ بات بإمكانها، سياسيًا وعسكريًا، تبرير استهداف منشآت الطاقة في الخليج، في المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وهو ما من شأنه نقل الحرب من صراع موضعي إلى أزمة طاقة عالمية.
إن ضرب هذه المنشآت لا يعني فقط توسيع رقعة المواجهة، بل يمثل ضغطًا مباشرًا على الولايات المتحدة، التي ترتبط مصالحها الاستراتيجية باستقرار تدفق الطاقة من الخليج. فكل اضطراب في هذا القطاع سيُترجم إلى أزمة اقتصادية عالمية، ما يضع واشنطن أمام معادلة معقدة: إما التصعيد العسكري الواسع، أو القبول بإعادة التوازن وفق الشروط الجديدة التي تفرضها طهران.
وفي موازاة ذلك، برز منعطف لا يقل أهمية يتمثل في التصدعات داخل البيت الأمريكي نفسه. فقد تصاعدت الانتقادات من داخل التيار المرتبط بـ دونالد ترامب، وظهرت استقالات وخلافات تعكس غياب رؤية استراتيجية موحدة لإدارة هذا الصراع. هذا الانقسام لا يضعف فقط الموقف السياسي، بل يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات حاسمة، ويُفقدها عنصر المبادرة.
ولم يتوقف أثر هذا الارتباك عند الداخل الأمريكي، بل امتد ليصيب حلفاء واشنطن التقليديين في أوروبا، حيث تعيش الدول الأوروبية حالة من التردد والانقسام حيال الانخراط في مواجهة مفتوحة. فحلفاء ترامب الأوروبيون، إلى جانب دول حلف شمال الأطلسي، يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة: بين الالتزام بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وبين الخشية من الانزلاق إلى حرب واسعة قد تضرب عمق القارة الأوروبية اقتصاديًا وأمنيًا. هذا التردد يعكس غياب الإجماع الغربي، ويؤشر إلى تآكل وحدة الموقف داخل المعسكر الغربي نفسه.
إن تزامن الضغط الخارجي مع التآكل الداخلي، سواء في الولايات المتحدة أو بين حلفائها، يضع واشنطن في موقع دفاعي غير مألوف، ويفتح المجال أمام قوى دولية منافسة لإعادة التموضع. وفي مقدمة هذه القوى، يبرز التحالف غير المعلن بين روسيا والصين وكوريا الشمالية، والذي قد يجد في هذا المشهد فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذه، سواء عبر الدعم غير المباشر لإيران أو من خلال استثمار حالة الفوضى لإعادة تشكيل النظام الدولي.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة صراع إقليمي فحسب، بل تحول إلى نقطة ارتكاز في صراع دولي أوسع، تتقاطع فيه المصالح الكبرى وتتصادم فيه المشاريع الجيوسياسية. فالمواجهة لم تعد بين دول، بل بين رؤى للنظام العالمي: أحادية تقودها الولايات المتحدة، في مقابل تعددية تسعى قوى صاعدة إلى فرضها.
ان المنطقة تقف اليوم على حافة تحول تاريخي، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل عملية إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى. ومع استمرار التصعيد، قد نشهد ولادة شرق أوسط جديد، لا تحكمه التوازنات القديمة، بل تفرضه معادلات القوة الصلبة، في عالم يتجه بثبات نحو مزيد من الصراع وأقل من الاستقرار.