رياض الفرطوسي
في الحروب التقليدية، كان يمكن تمييز لحظة البداية بسهولة، رصاصة أولى، اجتياح، أو بيان رسمي يعلن الدخول في المواجهة. أما اليوم، فالحروب تبدأ حين تفقد السياسة قدرتها على التأجيل، وحين يصبح الغموض نفسه قراراً.
ما نراه في هذه اللحظة ليس حرباً مكتملة الملامح، ولا سلاماً مؤجلًا، بل منطقة رمادية كثيفة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الانتظارات السياسية، وتتحول فيها المواقف إلى إشارات مبهمة أكثر منها قرارات حاسمة.
الحديث عن مفاوضات يبدو، للوهلة الأولى، خياراً عقلانياً. لكنه في الواقع أقرب إلى ترف نظري. لأن التفاوض، في معناه العميق، يحتاج إلى عناصر أولية غير متوفرة حتى الآن. لا مكان محدد، لا رعاة متفق عليهم، لا جدول أعمال واضح، ولا حتى تصور تقريبي للنهاية الممكنة. كل شيء لا يزال في طور التشكل، أو بالأحرى، في طور الصراع على التشكل.
هذا الفراغ ليس صدفة. إنه جزء من بنية المشهد. الأطراف جميعها تدرك أن الدخول في مفاوضات الآن يعني تثبيت موازين قوى لم تستقر بعد. لذلك، يتصرف الجميع كما لو أن الوقت لم ينضج، وكأن الحرب، بكل كلفتها، لا تزال أقل كلفة من تسوية غير مضمونة.
في هذا السياق، يبدو السلوك الإسرائيلي حذراً رغم صخبه. هناك رغبة في الظهور بمظهر غير المستعجل، كأن القرار لم يُتخذ بعد، بينما على الأرض تُبنى شروط مختلفة بهدوء. الانتظار هنا ليس تردداً، بل محاولة لرفع سقف التفاوض قبل أن يبدأ.
في المقابل، تتحرك أطراف دولية بنبض متفاوت. بعض المبادرات تُطرح، وبعض الأفكار تُسرّب، لكنها جميعاً تصطدم بجدار الواقع نفسه، لا أحد يملك القدرة على تحويل الاقتراح إلى مسار ملزم. الوساطة، في هذا المشهد، أقرب إلى اختبار نوايا منها إلى صناعة حلول.
أما في العمق، فالمسألة تتجاوز حدود ساحة واحدة. ما يجري ليس نزاعاً محلياً يمكن عزله، بل جزء من لوحة أوسع، حيث تتقاطع الجبهات وتتشابك المصالح. الحرب في مكان تعني إعادة حسابات في مكان آخر، والتأخير في ساحة قد يكون انتظاراً لحسم في ساحة مختلفة تماماً.
لهذا، يبدو المشهد كما لو أنه مُعلّق. ليس لأن القرار غائب، بل لأن القرار مؤجل عمداً. الجميع يقاتل، لكن بعين على الميدان، وعين أخرى على اللحظة التي سيجلس فيها إلى الطاولة. تلك اللحظة التي لا يريد أحد أن يصل إليها ضعيفاً.
في النهاية، ما نعيشه ليس غياباً للتفاوض، بل مرحلة ما قبل التفاوض. وهي، في كثير من الأحيان، أخطر من التفاوض نفسه. لأنها المرحلة التي تُرسم فيها الحدود الحقيقية، لا على الورق، بل بالنار.
وكلما طال هذا الزمن المعلّق، كلما اقتربنا أكثر من لحظة ينكسر فيها التوازن، إما نحو تسوية مفاجئة، أو نحو انفجار أوسع لا يمكن احتواؤه بسهولة.
ذلك هو السؤال الذي يفرض نفسه الآن، ليس متى تبدأ المفاوضات، بل بأي شكل ستُفرض، وعلى أي أرضية، وبأي كلفة.
يتبع…