العراق بلا سماء… كيف جرّدته طبقته السياسية من أدوات الردع؟

ضياء المهندس

منذ عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة كان يُفترض أن تؤسس لدولة حديثة تمتلك سيادة كاملة على أرضها وسمائها. لكن ما حدث فعلياً هو العكس: تآكلت القدرات العسكرية، وتحوّل البلد إلى ساحة مفتوحة لانتهاكات متكررة، في ظل غياب شبه كامل لمنظومات الدفاع الجوي والقدرات الصاروخية الرادعة.
أولاً: تفكيك القوة بدل إعادة بنائها
بعد سقوط النظام السابق، لم تكتفِ السلطة الجديدة بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، بل جرى عملياً تفكيكها دون بناء بديل متكامل. التركيز انصبّ على قوات برية موجهة لمهام داخلية (مكافحة الإرهاب، ضبط الأمن)، بينما أُهملت بشكل شبه كامل:
القوة الجوية الاستراتيجية
منظومات الدفاع الجوي
برامج الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى
وهذا الخلل البنيوي جعل العراق يعتمد على الآخرين في حماية أجوائه، وهو تناقض صارخ مع مفهوم السيادة.
ثانياً: الفساد وسوء الأولويات
الطبقة السياسية التي حكمت العراق منذ 2003 اتسمت بثلاث سمات رئيسية:
الفساد المالي: صفقات تسليح مشبوهة، عمولات، ومشاريع لم تكتمل
المحاصصة: توزيع المناصب العسكرية على أساس الولاء السياسي لا الكفاءة
غياب الرؤية الاستراتيجية: لا توجد عقيدة دفاع وطني واضحة
بدلاً من بناء منظومات دفاع جوي حديثة، أُهدرت مليارات الدولارات على عقود غير متكاملة أو غير فعالة، مما أبقى سماء العراق مكشوفة.
ثالثاً: الارتهان الخارجي
جزء كبير من القرار العسكري العراقي أصبح مرتهناً لتوازنات إقليمية ودولية، ما أدى إلى:
تعطيل صفقات دفاع جوي متقدمة
منع تطوير برامج صاروخية محلية
إبقاء العراق ضمن “سقف تسليحي محدود”
هذا الواقع جعل البلاد عاجزة عن الرد على الانتهاكات الجوية المتكررة، سواء كانت من قوى إقليمية أو دولية.
رابعاً: النتائج الكارثية
غياب الردع الجوي والصاروخي أدى إلى:
انتهاك الأجواء بشكل شبه يومي
استهداف مواقع عسكرية ومدنية دون رد
تآكل هيبة الدولة أمام شعبها وأمام الخارج
الدولة التي لا تحمي سماءها، لا تستطيع حماية أرضها ولا قرارها السياسي.
خامساً: لماذا أصبحت المحاسبة ضرورة؟
الخلل لم يعد تقنياً فقط، بل سياسي بنيوي. لذلك فإن أي إصلاح حقيقي يتطلب:
محاسبة القيادات السياسية والعسكرية التي تسببت بهذا الانهيار
فتح ملفات التسليح منذ 2003 حتى اليوم
إبعاد الفاسدين عن القرار الدفاعي
المشكلة ليست في نقص المال، بل في سوء إدارته.
سادساً: نحو إعادة بناء القوة العراقية
إعادة بناء قدرات تليق بالعراق تتطلب برنامجاً واضحاً على مراحل:

  1. على المدى القصير (1–3 سنوات):
    شراء منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات
    إعادة تأهيل الرادارات والسيطرة الجوية
    حماية المنشآت الحيوية
  2. على المدى المتوسط (3–7 سنوات):
    تطوير سلاح الجو (طائرات متعددة المهام، حرب إلكترونية)
    إنشاء قيادة دفاع جوي مستقلة ومحترفة
  3. على المدى البعيد (7–15 سنة):
    إطلاق برنامج صناعات عسكرية وطنية
    تطوير قدرات صاروخية دفاعية وردعية
    بناء عقيدة عسكرية سيادية مستقلة
    الخلاصة
    ما وصل إليه العراق لم يكن قدراً، بل نتيجة قرارات سياسية خاطئة استمرت لعقدين. السماء التي تُترك بلا حماية، تتحول إلى بوابة مفتوحة للهيمنة.
    إما أن يُعاد بناء الدولة على أساس السيادة والقوة،
    أو يبقى العراق دولة بلا سماء… وبلا قرار.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي