هندسة الفوضى لبنان… سقوف مرتفعة وأرض رخوة(الحلقة الثالثة)

رياض الفرطوسي

في الحالة اللبنانية، لا تبدأ المشكلة من السقف، بل من الأرض نفسها. أرض سياسية رخوة، مثقلة بالتوازنات، ومفتوحة على رياح الإقليم، تجعل أي حديث عن نتائج كبرى يبدو سابقاً لأوانه، إن لم يكن منفصلًا عن الواقع.

ورغم ذلك، تمتلئ الساحة بخطابات عالية السقف. حديث عن ترتيبات نهائية، عن علاقات جديدة، عن احتمالات تتجاوز وقف الحرب إلى إعادة تعريف شكل العلاقة مع العدو. لكن هذه السقوف، على ارتفاعها، لا تستند إلى جدران صلبة. هي أقرب إلى توقعات تُلقى في الهواء، تنتظر أن يلتقطها ميزان قوى لم يتشكل بعد.

في المقابل، هناك مسار آخر، أكثر هدوءاً وأقل ضجيجاً، لكنه أكثر التصاقاً بطبيعة التركيبة اللبنانية. مسار يبدأ من وقف إطلاق النار، لا كحل نهائي، بل كمدخل إلزامي. ثم ينتقل إلى محاولة إعادة تنظيم الداخل، عبر تقوية مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، وفتح ملف السلاح خارجها، لا كشعار، بل كعملية طويلة ومعقدة.

هذا المسار لا يعد بانتصارات كبرى، ولا يقدّم صورة نهائية واضحة. بل يترك النهاية مفتوحة، رهينة التوازنات التي ستُفرض لاحقاً. وهو، في جوهره، اعتراف ضمني بأن لبنان لا يملك ترف رسم نهايات حاسمة بمفرده، بل يتحرك ضمن هامش يحدده صراع أوسع منه.

المفارقة أن جزءًا كبيراً من الضجيج السياسي لا يصدر من داخل هذا المسار، بل من خارجه. هناك من يدفع نحو رفع السقف، إما لتحسين شروط التفاوض، أو لفرض تصورات لا تنبع من الداخل اللبناني. وهنا تحديداً يبدأ الخلل، حين يتحول النقاش من إدارة واقع معقد إلى مطاردة أهداف غير قابلة للتحقق في هذه المرحلة.

في بلد كلبنان، حيث التوازنات دقيقة إلى حد الهشاشة، يصبح الفرق بين الممكن والمستحيل مسألة حساسة. رفع السقف أكثر مما تحتمل الأرض لا يؤدي إلى مكاسب إضافية، بل يهدد بانهيار كامل للمسار. لأن أي تسوية لا تراعي هذه التوازنات، مهما بدت مغرية نظرياً، ستصطدم عاجلًا أم آجلًا بجدار الواقع.

لهذا، يبدو المشهد وكأنه انقسام بين لغتين. لغة واقعية باردة، تتحدث عن خطوات تدريجية ومحدودة، ولغة أخرى مشحونة، تقفز مباشرة إلى النتائج النهائية. وبين اللغتين، يتشكل الارتباك، ويتأخر القرار.

الأخطر من ذلك، أن هذا التباعد لا يبقى في حدود الخطاب. مع الوقت، يبدأ بالتأثير على مسار الأحداث نفسه. حين تتضخم التوقعات، وتبقى الوقائع على حالها، يتولد إحباط، وقد يتحول هذا الإحباط إلى ضغط إضافي يدفع نحو خيارات أكثر حدة.

لبنان، في هذه اللحظة، ليس ساحة لإنتاج الحلول، بل ساحة لاختبارها. كل فكرة تُطرح تُقاس بميزان دقيق، داخلياً وخارجياً. وما لا ينجح في العبور بين هذين الميزانين، يسقط تلقائيًا، مهما بدا لامعاً في البداية.

في النهاية، المسألة ليست في ارتفاع السقف، بل في قدرة الأرض على حمله. ولبنان، كما هو اليوم، لا يحتمل القفز فوق مراحله. كل خطوة تحتاج إلى تثبيت، وكل تثبيت يحتاج إلى توازن، وكل توازن يحتاج إلى وقت.

لكن الوقت نفسه ليس عنصراً محايداً. فكلما طال، تغيرت المعادلات، وربما تبدلت السقوف نفسها. وهنا يبرز السؤال الأخطر، ماذا لو فرض الميدان إيقاعه قبل أن تنضج هذه السقوف؟

حينها، لن يكون النقاش عن ما هو ممكن، بل عن ما فُرض بالفعل، وعندها فقط، تُكتب السقوف على مقاس الوقائع، لا العكس.

يتبع…