هرمز وتفكيك ثالوث الردع الإيراني في ظل الاحتواء الأمريكي وتحولات سوق الطاقة
بقلم د. حسام البدري
لا يمكن قراءة التوتر في مضيق هرمز بوصفه حادثة أمنية عابرة، بل كأداة ضمن منطق “اقتصاد الاختناق” الذي توظّفه الولايات المتحدة لإعادة ضبط سلوك الفاعلين دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا النمط لا يستهدف التدفقات فقط، بل يطال بنية الاعتماد ذاتها؛ إذ إن إيران، التي وجّهت نحو 90% من صادراتها النفطية إلى الصين، انتقلت من تنويع المخاطر إلى تركيزها، لتصبح عمليًا رهينة لمشتري واحد لا يشكّل نفطها في مزيجه سوى هامش محدود.
ضمن هذه المعادلة، تتصرّف الصين ببراغماتية صرفة، معتبرة النفط الإيراني أداة تحسين كلفة لا ضرورة استراتيجية، وهو ما يفسّر فصلها بين أمن الطاقة—القابل للتعويض—وأمن النظام التجاري—غير القابل للمخاطرة، كما يعكسه نفيها أي انخراط عسكري مباشر تحت ضغط التهديدات الأمريكية. في المقابل، يخلق انحسار النفط الإيراني نافذة لروسيا، التي تستفيد من تقلّص الخصومات لتقترب من التسعير الواقعي، فيما يعيد أي تحوّل صيني نحو الخام الروسي أو الفنزويلي توزيع الحصص لصالح المنتجين الأكثر قابلية للتكيّف سياسيًا.
استشرافيًا، ينتقل الضغط من السوق إلى المنبع، حيث تصبح الحقول الأعلى كلفة أولى الضحايا، بما يهدد الاستدامة الإنتاجية الإيرانية. وفي الهامش، تتحرك باكستان كوسيط وظيفي يوظّف موقعه الجيوسياسي لتعظيم مكاسبه: جيوسياسيًا عبر موازنة علاقاته بين واشنطن وبكين، جيواقتصاديًا عبر تأمين استقرار الطاقة وتعزيز دوره في الممرات التجارية، وأمنيًا عبر الحد من ارتدادات الفوضى؛ فيما تمنحه الوساطة دبلوماسيًا رأسمالًا تفاوضيًا، واستراتيجيًا موقع منصة منخفضة الكلفة لتحويل الجغرافيا إلى نفوذ.
في هذا السياق الأوسع، تتحرك مقاربة ترامب ضمن منطق تفكيك الثالوث الردعي المتكامل لإيران: تجميد التخصيب، تقييد البرنامج البالستي، وضبط الأذرع الإقليمية. الفارق الجوهري عن اتفاق أوباما يكمن في ربط هذه العناصر ضمن سلة واحدة، لا معالجة النووي بمعزل عنها. وحتى مع القبول بتجميد طويل، يبقى التخلي عن البعدين الآخرين غير مرجّح لارتباطهما بجوهر القدرة التعويضية الإيرانية.
وعليه، يُعاد تعريف الردع من قدرة كامنة إلى سلوك مُراقَب، ويُعاد توزيع الضغط من التدفقات إلى البنية، في لحظة تتحوّل فيها مرونة الطلب—خصوصًا الصيني—إلى أداة تفوق على صلابة العرض الإيراني.
الخلاصة
هرمز يتحوّل من ممر طاقة إلى أداة لإعادة هندسة ميزان الردع؛ حيث يُستثمر الاختناق لتفكيك البنية الردعية الإيرانية عبر استهداف اعتمادها الأحادي.
في هذه المعادلة، تتفوّق مرونة الطلب وتعدّد الخيارات على صلابة الجغرافيا، ما يعيد توزيع القوة لصالح الفاعلين القادرين على التكيّف لا المواجهة.