التجنيد الإلزامي في العراق: بين خطاب الوطنية وممارسات الإخضاع

رياض سعد

في لحظات التحوّل التاريخي، تُختبر الدول لا بما تعلنه من شعارات، بل بما تُمارسه من سياسات. ومن بين أكثر القضايا إثارة للجدل في العراق المعاصر، تعود مسألة التجنيد الإلزامي لتطفو على السطح بوصفها مشروعًا يُقدَّم بلباس الوطنية، لكنه يحمل في طياته أسئلة عميقة عن الحرية، والعدالة، وبنية السلطة، وحدود العلاقة بين الفرد والدولة .
لقد ارتبط نشوء المؤسسة العسكرية في العراق، منذ بداياتها، بسياقات سياسية متشابكة، لم تخلُ من مظاهر التعسف والظلم والفساد والهيمنة والطائفية والعنصرية والمناطقية … ؛ فبدل أن تكون هذه المؤسسة درعًا لحماية المجتمع، تحوّلت في كثير من المراحل إلى أداة لضبطه وإخضاعه… ؛ بل وصل الامر الى حد استخدامها لقصف واهانة المقدسات والمراقد الدينية وابادة ابناء الاغلبية العراقية والاقلية الكردية … ؛ وهنا تتقاطع الأبعاد العسكرية مع الاجتماعية والنفسية، حيث يصبح الانضباط المفروض قسرًا وسيلة لإعادة تشكيل الوعي، لا لحماية الوطن فحسب، بل لتكريس الطاعة .
اليوم، يُطرح مشروع التصويت على التجنيد الإلزامي، وسط تساؤلات مشروعة: كيف يمكن لشعب يبلغ تعداده نحو 45 مليون نسمة ألا يملك صوتًا جمعيًا رافضًا لفكرة قد تُعيد إنتاج أنماط من العبودية المقنّعة؟!
أليس من حق المواطن أن يتساءل عمّا إذا كان هذا القرار يعكس حاجة أمنية حقيقية، أم أنه وسيلة لإسكات الأصوات الناقدة وصرف الأنظار عن قضايا الفساد المستشري؟
من الناحية الاجتماعية، يبدو أن التجنيد الإلزامي، بصيغته المطروحة، يحمل بذور طبقية واضحة… ؛ فالقوانين المقترحة تتيح دفع “بدل نقدي” لمن لا يرغب بالخدمة، بينما يُجبر الآخرون—غالبًا من الفئات الفقيرة—على الالتحاق لسنوات… ؛ وهنا يتجلى التفاوت: من يملك المال أو النفوذ يستطيع الإفلات، بينما يُلقى العبء على كاهل من لا يملك إلا جسده ووقته… ؛ وهكذا، لا يصبح التجنيد واجبًا وطنيًا متساويًا، بل أداة لفرز المجتمع طبقيًا …!!
أما الادعاء بأن التجنيد سيقضي على البطالة ويحسّن المستوى المعيشي، فيبدو أقرب إلى الخطاب التبريري منه إلى الواقع… ؛ فالتجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه السياسات، في بيئات تعاني أصلًا من ضعف الإدارة والفساد، غالبًا ما تنقلب إلى عبء اقتصادي إضافي… ؛ وإذا افترضنا—جدلًا—أن عدد المشمولين يصل إلى مليوني مواطن، وأن متوسط الراتب الشهري هو 600 ألف دينار، فإن الكلفة الشهرية ستبلغ نحو تريليون و200 مليار دينار، أي ما يقارب 14 تريليونًا و400 مليار سنويًا… ؛ وهو رقم ضخم يثير تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على تحمّله، فضلًا عن تكاليف البنية التحتية من معسكرات وتجهيزات وإمدادات … الخ .
لكن الأخطر من العبء المالي هو العبء النفسي… ؛ فالتجنيد القسري، حين يُفرض في بيئة تفتقر إلى العدالة والمساواة وتعاني من مختلف الضغوط والتحديات والازمات … ؛ يتحول إلى تجربة إذلال يومي، حيث يُدفع الفرد—كما تشير تجارب سابقة—إلى التعامل مع منظومة قد تجبره على دفع الرشوة “عن يدٍ وهو صاغر”، فقط لتسيير أبسط شؤونه… ؛ وهنا تتجسد المفارقة: مؤسسة يُفترض أن تُعلّم الانضباط والشرف، قد تتحول إلى فضاء لإعادة إنتاج الفساد ذاته الذي يُراد محاربته …!!
فلسفيًا، يطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: هل يمكن فرض الوطنية بالقوة؟
أم أن الوطنية الحقيقية تنبع من شعور الفرد بالكرامة والعدالة والانتماء؟
إن الدولة التي تُثقل مواطنيها بالإكراه دون أن تضمن لهم العدالة، تُخاطر بتحويل الولاء إلى مجرد امتثال شكلي، خالٍ من المعنى … .
إن قرارًا بهذه الحساسية، يحمل في داخله الكثير من الشبهات والتناقضات، يبدو متسرعًا ومحكومًا بالفشل ما لم يُبنَ على أسس واضحة من العدالة والشفافية والمساواة… ؛ فالشعوب لا تُبنى بالقسر، ولا تُدار بالتمييز، بل تُصان كرامتها حين تشعر أن الدولة تمثلها، لا تفرض نفسها عليها .
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يُراد من التجنيد الإلزامي أن يكون خطوة نحو بناء دولة قوية، أم أنه مجرد إعادة تدوير لأدوات قديمة بوجه جديد؟
الإجابة لا تكمن في الخطاب السياسي ، بل في الممارسة .