الأخ الشيخ أحمد الكاتب

علي المؤمن

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الشيخ أحمد الكاتب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إشارةً إلى التسجيلين المرئيين الأخيرين اللذين تردّ فيهما على مقاليّ المنشورين في أواسط نيسان ٢٠٢٦، أضع بين يديك هذه الملاحظات:

أولاً: أدعو الله أن يعود المسلمون أمةً واحدةً كما كانوا على عهد رسول الله، يوم كانت القلوب على كلمة سواء، والصفوف على قلب رجل واحد. وحتى يحين موعد هذه العودة المباركة، سنبقى أمماً متفرعة متفرقة، تتنازعها الأهواء وتبددها العصبيات، شئنا أم أبينا، أحببنا أم كرهنا. وذلك هو الواقع المر الذي لا يغيّره التغافل، ولا تمحوه الأمنيات.

ثانياً: في ظل هذا الانقسام الواقعي المركّب، ومن منطلق اعتقادي العلمي الراسخ بعقيدتي الشيعية الإمامية، وإيماني بالنظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي أفرزته هذه العقيدة عبر قرون طويلة من المعاناة والبناء والصبر، أرى أن واجبي الديني والإنساني والاجتماعي، وواجب كل النخب الشيعية، يتمثل في استنهاض الشيعة، وصيانة هويتهم من الذوبان، والدفاع عن نظامهم الاجتماعي الديني العالمي، من دون أن يطال أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى أي ظلم أو انتقاص، ولا أن يمس أتباع الديانات والمعتقدات السماوية والأرضية أي أذى مادي أو معنوي.

وعملي النهضوي الدفاعي هذا يشبه حال من يحرس بيته، وقد أحاطت به العواصف، وتناوشته الأيدي، وتربصت به المطامع. بيتٌ يريد أحد إخوته تهميشه، وقمع أهله، ومصادرة حقه في إرث أبيه. وحتى يكفّ هذا الأخ المتسلّط عن غلوائه، ويرجع إلى سواء السبيل، ويقبل بالمساواة الكاملة عدلاً لا مِنّةً، فإن صاحب البيت الأول لا يملك إلا أن يشدّ أركانه، ويحمي حرمته، ويوقظ أهله، ويعدّ العدّة للبناء والنماء والقوة على جميع الصعد، ولا سيما وهو يواجه تحديات أخرى من بيوت تحالفت مع أخيه، واجتمعت على إضعافه.

ثالثاً: أنا لا أتهمك بأنك سني، وإنما أقول إنك سني بالفعل والقول، بل لست سنيّاً عابراً، وإنما سني مهاجم، دؤوب، مستميت، وصاحب مشروع واضح المعالم في ضرب العقيدة الشيعية الإمامية ونظامها الاجتماعي الديني. فالسني لا يختلف عن الشيعي في أصل الخِلقة الإنسانية، ولا يحمل على جبينه سِمةً فارقة، وإنما يكون الاختلاف في المعتقدات، والقراءات، والمرجعيات، والمواقف.

وأنت تختلف عقيدتك عن عقيدة الشيعة الإمامية، وتتطابق إلى حد بعيد مع العقيدة السنية الأشعرية، ومن أبرز هذه الاختلافات: عدم الاعتقاد بالأئمة الاثني عشر، وعدم الاعتقاد بالنص على الإمام علي بوصفه خليفة رسول الله بلا فصل، وعدم الاعتقاد بعصمة الأئمة، مقابل الاعتقاد بصحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وشرعيتها دينياً، وعدم الاعتقاد بوجود الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري، إلى غير ذلك من البديهيات العقدية عند الشيعة. وليس الحديث هنا عن محاكمة نياتك، ولا عن تقويم مقاصدك، وإنما عن مخرجات فكرك، ونتائج خطابك، وآثار طرحك.

وبناءً على ذلك، فأنا أتعامل معك بوصفك أخاً سنياً، كما أتعامل مع كثير من أصدقائي السنة الكرام، ولا أرى في ذلك حرجاً ولا غضاضة، ولا سيما أنك رجل مهذبٌ في سلوكك ومحترمٌ في خطابك، منذ عرفتك في المهجر.

رابعاً: غير أن أدبك الشخصي، ولغتك المهذبة، لا ينسحبان على منهجك في الحوار والكتابة والبحث؛ إذ أرى في هذا المنهج اختلاقاً، وانتقاءً، والتواءً، ومراوغةً، وتخبطاً، وإصراراً على أخطاء متكررة، ونتائج متهافتة سرعان ما تتهاوى عند أول اختبار علمي. وقد رأيتُ أغلب من يحاورونك، بل ومن يعلّقون على منشوراتك، يردّون تلك المزاعم ويفندونها بالكامل، فلا يبقى لك من مصفق إلا من يوافقك الهوى ويشاركك الخصومة من أبناء عقيدتك السنية.

ومع أن آراءك وتحليلاتك الأساسية تُواجَه التفنيد، وتضعك في مواقف حرجة، إلى الحد الذي يبعث في نفسي شيئاً من الشفقة عليك أحياناً؛ فإنك تعود بعد حين لتكرر المزاعم نفسها، والأخطاء ذاتها، وكأن شيئاً لم يكن. وهذا يوحي بأن الحقيقة ليست هي غايتك المنشودة، وإنما الغاية هي المضي في مشروعك بمهاجمة الشيعة والتشيع، مهما كان الثمن، وكأنك تؤدي وظيفةً لا تملّها، أو مهمةً لا تنفك عنها.

خامساً: الدليل على قبولي بحريتك في التحول العقدي والمذهبي، وعدم لجوئي إلى مقاطعتك، أنني لم أعترض على مُعِدّة كتاب «علي المؤمن: قراءة في آثاره ومشروعه الفكري» حين نشرت لك مقالين في الكتاب ترد فيهما على بعض آرائي. بل ما زلنا نتحاور عبر الواتساب، ونتبادل التحايا والتهاني في المناسبات، بما يليق بأدب الخلاف، وإن تباعدت معتقداتنا المذهبية.

سادساً: مرة أخرى أعبر عن ترحيبي بدعوتك إلى المناظرة في الموضوعات التي تمثل ركائز تحولك العقدي والمذهبي، غير أنني ـ كما ذكرت لك سابقاً ـ لا أؤمن بسجالات وسائل الإعلام والتواصل التي يعلو فيها الضجيج ويخفت فيها العلم، وإنما أؤمن بالمناظرات العامة الرصينة، التي يحضرها جمهور من المتخصصين، وبوجود محكّمين محايدين، وتُدار وفق أصول البحث والحوار، في إحدى قاعات بغداد أو بيروت أو لندن، على أن تُبث عبر وسائل الإعلام، ليكون الحكم فيها للعلم، لا للصخب، وللحجة، لا للهوى.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

علي المؤمن

بغداد، ٢٨ نيسان ٢٠٢٦