رياض سعد
يقف الإنسان المعاصر على تخوم زمنية متشابكة، يحمل على كاهله أعباء الماضي بذكرياته المؤلمة، ويمد بصره نحو المستقبل بإغراءاته ووعوده البراقة… ؛ وفي خضم هذه الازدواجية الزمنية، يضيع الحاضر ويتلاشى بين أصابع اللحظة الهاربة، فلا نكاد نقتنع بما في أيدينا، ولا نستشعر قيمة الراهن الذي نعيشه… ؛ إن هذه المعادلة الوجودية المعقدة تستدعي وقفة تأملية عميقة، نستجلي من خلالها طبيعة علاقتنا بالزمن، وسبل التحرر من وطأة الماضي، وطرائق استثمار الحاضر لبناء مستقبل واعٍ ومتوازن .
الماضي: عبء وجودي أم سجن نفسي؟
إن استحضار الماضي على نحو مَرَضي ليس مجرد استعادة للذكريات، بل هو عملية إعادة إنتاج مستمرة للألم، وتكريس للهزائم النفسية التي تستنزف طاقة الحاضر وتشل إرادة المستقبل… ؛ فالإنسان الذي يظل أسيراً لفشل قديم، أو غارقاً في مرارة تجربة قاسية، أو متشبثاً بمجد آفل، إنما يسجن ذاته في قفص زمني لم يعد له وجود فعلي… .
ولعل أبلغ تمثيل أدبي لهذه الحالة النفسية نجده في شخصية “غاتسبي العظيم” عند فيتزجيرالد، الذي ظل حبيس ذكرى حب قديم، فبنى ثروته وقصوره وأقام حفلاته الصاخبة، ليس حباً في الحاضر، بل استجداءً لماضٍ لن يعود… ؛ وهذا تماماً ما يفعله الكثيرون حين يحولون حياتهم إلى محاولة عقيمة لإعادة إنتاج الماضي أو تعويض خساراته، فلا هم عاشوا حاضرهم، ولا هم بنوا مستقبلهم .
بين جاذبية الماضي وقلق المستقبل: جدلية الزمن الإنساني
نحن، كما يعبر البعض ، مخلوقات زمانية بامتياز؛ الماضي يجرنا إلى الخلف بسلاسل الذاكرة والألم، والمستقبل يدفعنا إلى الأمام بسياط الأمل والطموح والقلق … ؛ وبين هاتين الحركتين المتضادتين، نفقد الطمأنينة النفسية والصفاء الذهني في الحاضر… ؛ وهنا تكمن المفارقة الكبرى : الماضي لم يعد له وجود حقيقي، والمستقبل لم يظهر بعد إلى حيز الوجود، ومع ذلك فإن هذين “العدمين” يستحوذان على كياننا كله، ويتركاننا فارغي الأيدي من الحاضر الذي هو كل ما نملكه حقاً .
وهذا المعنى يتوافق مع ما ذهب إليه القديس أوغسطين في تأملاته عن الزمن، حين تساءل: كيف يكون للماضي وجود وهو لم يعد كائناً؟!
وكيف يكون للمستقبل وجود وهو لم يأتِ بعد؟!
إن الحاضر وحده هو الموجود فعلاً، ولكنه حاضر هارب، نقطة تلاشٍ دائمة بين ما كان وما سيكون …!!
وهم الزمن وحقيقة النفس: نحو رؤية صوفية للتحرر
إن ما أشار إليه البعض من أن “الزمان كان أيضاً وهماً آخر كبقية الأوهام الأخرى” يحتاج إلى وقفة متأنية… ؛ ليست هذه دعوة إلى إنكار الواقع أو التنصل من المسؤولية، بل هي دعوة إلى إعادة النظر في طبيعة علاقتنا بالزمن نفسه… ؛ فالزمن كما تدركه النفس البشرية ليس حقيقة موضوعية محايدة، بل هو خبرة ذاتية مشبعة بالانفعالات والذكريات والتوقعات… ؛ ولهذا قال الحكماء والصوفية: «إنما هي نفسك، فإن لم تشغلها شغلتك»، في إشارة بليغة إلى أن المشكلة ليست في الزمن ذاته، بل في كيفية تعامل النفس معه .
وتتجاوز الرؤية الصوفية، كما لمسها البعض ، مستوى المعالجة السطحية القائمة على الانشغال بالمحسوسات المادية… ؛ فالإنسان الذي يحاول الهروب من ألم الماضي بالانغماس في الملذات الحسية، أو يطارد سراب السعادة في المقتنيات والإنجازات المادية، إنما «يدور في حلقة مفرغة»، يحقق سعادة مؤقتة سرعان ما تنقشع لتتركه في مواجهة جديدة مع فراغه الوجودي .
من المركزية النسبية إلى المركزية المطلقة: نقطة التحرر
إن التعالي عن آلام الماضي وإغراءات المستقبل، وفق ما يطرحه البعض، لا يتحقق من خلال الانشغال بالمحسوسات فقط ، بل عبر «الخروج من ذاتك ومركزيتك النسبية، والتفكر في ذاتية الخالق والكون ومركزيته المطلقة»… ؛ وهذا طرح عميق يستحق التأمل؛ فحين يستغرق الإنسان في همومه الذاتية وأوجاعه الفردية وطموحاته الشخصية، فإنه يضخم من شأن هذه المشاعر حتى تغدو كأنها الكون كله… ؛ أما حين يرتقي بوعيه إلى آفاق أرحب، فيتأمل في عظمة الخالق وقوانين الكون وسنن الوجود، فإن مشكلاته الشخصية تنكمش إلى حجمها الطبيعي، ويتحرر من سطوة الوهم الذي يخلقه التمركز حول الذات .
وليس هذا انعزالاً عن الواقع أو هروباً من مسؤوليات الحياة، بل هو إعادة تموضع للنفس في الإطار الصحيح، فتستعيد اتزانها وطمأنينتها… ؛ وهنا تفهم، معنى المقولة ، «بأن حتى الزمان كان أيضاً وهماً آخر… ليست حقائق وإنما هي أدوات ووسائل لتصل بها إلى حالة النفس المطمئنة وترجعها إلى نظامها الاكبر »… ؛ فالزمن وسيلة لا غاية، وممر لا مقر، ومن خلال هذا الفهم العميق تتحرر النفس من عبودية الماضي ومن قلق المستقبل معاً .
استعادة الحاضر: اللحظة المعاشة كطريق للخلاص
إن التحرر الحقيقي لا يعني نسيان الماضي أو إلغاءه، بل يعني إعادة تعريف علاقتنا به… ؛ إنه الانتقال من كونه سجاناً إلى كونه معلماً، ومن كونه عبئاً إلى كونه خبرة نستخلص منها الدروس والعبر… ؛ يقول الشاعر العربي المعاصر أدونيس: «ليس الزمن ما يمضي، بل ما يبقى فينا من أثر الزمن»… ؛ وشتان بين من يحمل الماضي كجرح غائر ينزف كلما لمسه، ومن يحمله كحكمة تراكمت واتضحت معالمها .
وهكذا يغدو الحاضر ميداناً للفعل الواعي، لا للاجترار أو القلق… ؛ إنها اللحظة التي تملك فيها أن تختار، وأن تتصرف، وأن تصنع جديداً… ؛ وقد عبر النبي محمد عن هذا المعنى بقوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» هكذا يغلق الباب على الماضي بجبروته، ويُفتح الأفق للحاضر بطاقته وإمكاناته .
نحو المستقبل: تخطيط بلا تعلق، وأمل بلا وهم
لا يعني التحرر من المستقبل إهماله أو التخلي عن التخطيط له، بل يعني التعامل معه بروح متوازنة، نخطط له باجتهاد ونتوكل فيه على الله، دون أن نجعله مصدر قلق دائم أو أحلام يقظة تعطل عمل الحاضر… ..
إن الذين يفقهون هذه المعادلة هم وحدهم القادرون على بناء مستقبل حقيقي؛ لأنهم يعملون من موقع الطمأنينة والقوة، لا من موقع الخوف والقلق… ؛ إنهم يرسمون أهدافهم ويشقون طريقهم بصبر وإصرار، لكن دون أن يرتهنوا للنتائج أو تلتهمهم التوقعات والتمنيات … ؛ وهذا هو معنى «النفس المطمئنة» التي أشار إليها البعض ، تلك النفس التي بلغت مرحلة السكينة والرضا، فلم تعد تتأرجح بين ندم الماضي وخوف المستقبل .
الخاتمة: دعوة إلى المصالحة مع الزمن
في نهاية هذا التحليل، نخلص إلى أن الماضي والمستقبل ليسا عدوين للإنسان، بل إن المشكلة تكمن في علاقتنا غير المتوازنة بهما… ؛ إن التحرر الحقيقي ينبثق من إدراك عميق بأن الماضي قد مضى ولن يعود، وأن المستقبل غيب لا نملك منه شيئاً، وأن ما بين أيدينا هو هذه اللحظة الحاضرة التي إن أحسنا استثمارها ؛ تصالحنا مع ماضينا واتسق مستقبلنا .
وإن الرحلة نحو المطلق ، أو نحو المعنى الأعمق للوجود، ليست انفلاتاً من الزمن، بل هي إتقان لفن العيش فيه… ؛ إنها تحرير للانسان من وهْمَيْه العظيمين: الإحساس بالذنب تجاه ما فات، والقلق مما هو آتٍ… ؛ وحين تتحرر النفس من هذين القيدين، تشع طمأنينة وصفاء، وتغدو قادرة على أن تحيا حقاً، لا أن تمر في الحياة مروراً .
فلنشغل أنفسنا بالحق، كي لا تشغلنا الأوهام… ؛ ولنجعل من الحاضر ساحة للعبور إلى المطلق، لا قفصاً لاجترار النسبي والمؤقت… ؛ وتلك، لعمر الحق، هي الحياة التي تستحق أن نحياها .