بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
الأربعاء، 29 نيسان/أبريل 2026
ليس أصعب على النفس البشرية من الشعور بالضيم، ولا أشد وطأة على استقرار المجتمعات من إحساس المواطن بأن ميزان العدالة الذي يُفترض أن يكون كفيفاً لا يرى إلا الحق قد استعاد بصره فجأة ليفرق بين قامة المسؤول وظل المواطن البسيط.
إننا اليوم نعيش مفارقة مؤلمة حيث يتحول النص القانوني من أداة للتقويم وحماية الصالح العام إلى (مظلة) وارفة تحمي رؤوس المتنفذين من هجير المساءلة بينما يتحول ذات النص إلى (سياط) تلهب ظهور الفقراء عند أدنى هفوة أو خطأ بسيط وقد يكون في مقصود قد تفرضه الحاجة أو الجهل باللوائح المعقدة.
هذه الانتقائية في تطبيق القانون ليست مجرد خلل إداري عابر بل هي تآكل في جوهر الدولة وهيبتها.
فالمسؤول الذي يمتلك الصلاحية والقرار حين يخطئ! غالباً ما يجد خلفه ترسانة من المبررات القانونية أو لجان تحقيق تُشكل لتميت القضية بمرور الزمن أو (مخارج طوارئ) تُفصّل على مقاس نفوذه.
وتجد في المقابل المواطن الذي لا يملك سوى كدحه اليومي يُحاصر بنصوص لا ترحم، ويُطالب بالنزاهة المطلقة والالتزام الحرفي بالقانون وإلا وجد نفسه خلف القضبان أو مثقلاً بالغرامات التي تعجز عن سدادها جبال الصبر.
والشواهد على هذا الخلل مريرة وتملأ صفحات الواقع وإن غابت الأسماء خلف الرموز فكم من قضية فساد كبرى اهتز لها الرأي العام ثم انطفأت جذوتها خلف الأبواب الموصدة.
نذكر مثلاً قضية المسؤول (أ. م) الذي تسبب في هدر مئات الملايين من خلال صفقات مشبوهة في قطاع حيوي وكيف انتهى الأمر بتسوية هادئة أو إعفاء من المنصب تحت ذريعة (الخطأ الإداري غير المقصود) ، بينما يُزج بموظف صغير في السجن لسنوات بسبب نقص طفيف في عهدته.
وهناك قصة (س. ج)، المسؤول الذي استغل نفوذه لتمرير عقارات الدولة أقاربه وتمليك اراضي فكان القانون تجاهه (ليناً) إلى حد التواطؤ وأُغلقت القضية بحجة نقص الأدلة في حين تُهدم أكشاك البسطاء وتُصادر بضائعهم لأنها (تخالف المظهر العام) .
إن هذا المشهد السريالي يخلق فجوة من عدم الثقة بين الفرد ومؤسساته. فالمواطن حين يرى أن ( المسؤول الكبير) يسرق جملًا ويُعفى عنه، بينما (الإنسان البسيط ) يُحاسب على سرقة رغيف، يبدأ في فقدان الانتماء، ويتحول القانون في نظره من حصن للأمان إلى عدو يجب الالتفاف عليه.
إن العدالة لا تتجزأ، والقانون الذي لا يطبق على الجميع بصرامة متساوية هو في الحقيقة ظلم مُقنّن.
إن حماية الفاسدين تحت ذريعة الحصانة أو المنصب، وترك المواطن البسيط وحيداً في مواجهة مقصلة القانون، هو أقصر الطرق لتهشيم السلم الأهلي. فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تجرؤ على محاسبة (المظلة) قبل (السياط) ، وتدرك أن استقامة الرأس هي التي تضمن استقامة الجسد كله. وبدون ذلك، سنبقى ندور في حلقة مفرغة من الفساد الذي ينمو في ظل الحماية، والفقر الذي يتضاعف تحت وطأة العقاب الانتقائي.