أطواق فولاذية حول عنق العراق

كمال فتاح حيدر

إذا كان الغرابُ دليلَ قومٍ سيهديهم إلى دارِ الخرابِ – يمر بهم على جيف الكلابِ – فلا فلحوا ولا فلح الغراب – فعيب القوم لا عيبُ الغراب – فلا اجتمعوا ولا كمل النصاب. .
مشكلتنا ان بعض الغربان الغبية قادت أسراب الاعتراض ضد مشاريع الربط السككي بذريعة الحرص على مستقبل موانئنا، التي باتت الآن في حكم المعزولة، فاتبعوا منهج (خالف تُعرف) حتى وإن تسببوا بحرماننا من مشاريعنا الاستراتيجية المنبثقة من موقعنا الجغرافي المتمركز بين القارات. وهكذا أذعنت الجهات المعنية لآراء الغربان، فرفضت مشاريع النقل العابر، ورفضت الارتباط بسلاسل التوريد، ورفضت مشاريع تحويل أرضها إلى محطة إقليمية للتجارة الدولية بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب . .

لقد التفت خطوط (ITI) حول بوابات العراق الشرقية بطول 7000 كيلومترا، بسكك حديدية تربط موانئ باكستان بإيران بتركيا. .
بينما تواصلت عواصم مجلس التعاون الخليجية عبر خطوط السكك الحديدية بين موانئ سلطة عمان وموانئ الإمارات والسعودية وقطر والبحرين والكويت تاركة العراق في عزلته الطوعية. .
ثم تمددت خطوط القضبان الفولاذية لتلتف غرب العراق بإحياء قطار الحجاز الذي سوف يقفل بواباتنا الغربية بقضبان الترابط بين الكويت والسعودية والأردن وسوريا وصولا إلى تركيا. .
وسوف نكتشف اننا اصبحنا نعيش في عزلة مظلمة خلف جدران فولاذية موصدة. تتمدد بموازاة حدودنا الغربية والشرقية. .

بدأت حكاية الجدار الغربي عام 1900 بفكرة اطلقها السلطان عبد الحميد الثاني (ببناء محطات لقطار الحجاز بين اسطنبول ومكة) لكن تلك الفكرة تعثرت بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى. .
ثم عاد المشروع فجأة للظهور بقوة هذه الايام، فخصصوا له الاموال الطائلة، وهو الآن قيد التنفيذ. ومن المحتمل اكتماله في نهاية العام الجاري (2026). .
يمتد مسار هذا الخط لنحو 3000 كيلومترا. يربط الرياض بإسطنبول مرورا بالأردن وسوريا، ليضمن التدفق المكثف والمتصاعد في نقل البضائع الثقيلة بين آسيا وأوروبا، ويربط موانئ الخليج بموانئ البحر الأبيض المتوسط وموانئ البحر الأسود. .

تمتلك المملكة السعودية شبكة داخلية متشابكة تربط مدن الخليج بمدن البحر الأحمر. يبلغ طولها 5000 كيلومترا. اما تركيا فتمتلك شبكة داخلية يبلغ طولها 13000 كيلومترا. وهي ايضا مرتبطة بموانئ البلدان المجاورة لها. وبالتالي فان هذه المشاريع التكاملية سوف تضع العراق خارج خرائط التواصل الدولي. سيما ان العراق هو الذي تراجع لينكمش خلف الأسوار الفولاذية بسبب نعيق الغربان الرافضة لأي مشروع من مشاريع النقل الدولي العابر. اما مشروع طريق التنمية فسوف يتحول إلى مسار داخلي متعثر يربط البصرة بالموصل. .

أرأيتم ما فعلته بنا الغربان ؟. هل يرضيكم ان نتحول إلى دولة حبيسة مغلقة متقوقعة على نفسها. .
الطامة الكبرى ان تلك الغربان مازالت تنعق وتنعق وتنعق وتمارس سلوكها الفوضوي من دون أن يسكتها احد. .
ولله في خلقه شؤون