إيهاب مقبل
حذّر وزير التخطيط بالوكالة خالد بتّال النجم من أن العراق يقترب من مرحلة “الهبة الديموغرافية”، مع توقع وصول عدد السكان إلى نحو 73 مليون نسمة بحلول عام 2050، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من محدودية واضحة في خلق فرص العمل، واعتماد واسع على التوظيف الحكومي كخيار شبه وحيد أمام الشباب.
هذا التحذير الذي أُطلق يوم الأربعاء 6 مايو أيار الجاري، لا يمكن قراءته كرقم سكاني فقط، بل كإشارة إلى خلل أعمق في بنية الاقتصاد وسوق العمل، وسؤال جوهري حول قدرة الدولة على استيعاب الأجيال القادمة. وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف تشكلت ثقافة الاتكالية على الدولة في العراق، وكيف أصبح التعليم جزءًا من إعادة إنتاجها بدل أن يكون وسيلة لكسرها؟
الدولة كمحور للتوظيف: جذور ثقافة الاتكالية
تشكلت في العراق عبر عقود طويلة علاقة خاصة بين المواطن والدولة، حيث أصبحت الأخيرة المصدر الأكبر للوظائف والاستقرار المعيشي. هذه العلاقة لم تكن اقتصادية فقط، بل تحولت تدريجيًا إلى قناعة اجتماعية راسخة ترى في الوظيفة الحكومية الطريق الأكثر أمانًا للمستقبل.
ومع مرور الوقت، أصبح هذا التصور معيارًا اجتماعيًا للنجاح، تدفع العائلات أبناءها نحوه حتى في ظل محدودية قدرة الدولة على التوظيف. وهكذا نشأت حلقة مغلقة تبدأ من التعليم العام، تمر بالتخرج الأكاديمي، وتنتهي عند انتظار وظيفة حكومية في سوق عمل غير قادر على الاستيعاب.
لكن هذه الحلقة بدأت تصطدم بواقع جديد يتمثل في عجز القطاع العام عن التوسع، وتزايد الفجوة بين توقعات الشباب وما يمكن للاقتصاد توفيره فعليًا.
بطالة مرتفعة وضغط سكاني متزايد
تظهر مؤشرات سوق العمل في العراق حجم هذا الاختلال بوضوح، إذ تتراوح نسب البطالة بين 16.2% و36%، وهي من أعلى النسب في المنطقة. وفي المقابل، لا تتجاوز البطالة في دول مثل السويد نحو 8.6% في مطلع العام 2026، ما يعكس فرقًا واضحًا في إدارة العلاقة بين التعليم وسوق العمل.
ويأتي ذلك في ظل تحذيرات من تضخم سكاني كبير، حيث يُتوقع أن يصل عدد سكان العراق إلى نحو 73 مليون نسمة بحلول عام 2050، بينما يبقى القطاع العام محدود القدرة على التوسع عند حدود ملايين قليلة من الوظائف المستقرة. وهذا يعني أن الضغط على سوق العمل سيتضاعف، وأن الاعتماد على الدولة كجهة توظيف لم يعد حلًا، بل أصبح جزءًا من المشكلة.
التعليم كبداية للأزمة لا نهايتها
رغم أن البطالة تظهر في سوق العمل، فإن جذورها الحقيقية تبدأ من النظام التعليمي. فالمسار التعليمي في العراق ما يزال تقليديًا يبدأ من الابتدائية، ثم المتوسطة، فالإعدادية، وصولًا إلى الجامعة، دون وجود توجيه مهني مبكر أو ربط فعلي باحتياجات الاقتصاد أو سوق العمل.
يتخرج آلاف الطلبة سنويًا بشهادات أكاديمية، لكن دون مهارات عملية واضحة، ما يخلق فجوة كبيرة بين التعليم وسوق العمل. وعند لحظة التخرج، يكتشف كثير من الشباب أن الشهادة لا تضمن وظيفة، فيصبح انتظار التوظيف الحكومي الخيار الأكثر واقعية، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأقل مخاطرة.
لماذا تصبح الوظيفة الحكومية الخيار الأكثر أمانًا؟
في ظل ضعف القطاع الخاص وغياب بيئة أعمال مستقرة، يصبح العمل الحكومي خيارًا “آمنًا” مقارنة بالمشاريع أو العمل الحر. فهذه الأنشطة غالبًا ما تحمل مخاطر عالية دون حماية كافية، بينما توفر الوظيفة الحكومية حدًا أدنى من الاستقرار المعيشي.
وبذلك لا يمكن تفسير الاتكالية على الدولة كضعف طموح، بل كنتيجة مباشرة لاقتصاد لا يوفر بدائل حقيقية ومستدامة.
النموذج السويدي: التعليم كمسار نحو سوق العمل
في المقابل، تقدم السويد نموذجًا مختلفًا تمامًا في العلاقة بين التعليم وسوق العمل. ففي تسعينيات القرن الماضي، وبعد ارتفاع معدلات البطالة، تم إدخال إصلاحات عميقة على التعليم الثانوي عبر إنشاء 18 برنامجًا وطنيًا يربط التعليم مباشرة بالمهنة.
في السويد، لا يُنظر إلى التعليم كمرحلة أكاديمية عامة فقط، بل كمرحلة تحديد مسار مهني مبكر، يبدأ من سن 16 عامًا تقريبًا.
ويقوم التعليم في المدارس الثانوية هناك على مسارين رئيسيين:
المسار الأول هو المسار الأكاديمي، ويشمل برامج مثل برنامج العلوم الطبيعية، برنامج العلوم الاجتماعية، برنامج الاقتصاد، برنامج التكنولوجيا، برنامج العلوم الإنسانية، والبرنامج الجمالي (الفنون). هذه البرامج تؤهل الطلاب للجامعة، وتفتح لهم طريق التخصصات مثل الطب والهندسة والقانون والإعلام والاقتصاد والفنون، بحسب المسار الذي يختارونه.
أما المسار الثاني فهو المسار المهني السريع، ويشمل برامج مثل برنامج البناء والهندسة المدنية، برنامج الكهرباء والطاقة، برنامج المركبات والنقل، برنامج الخدمة والمبيعات، برنامج الفندقة والسياحة، برنامج الرعاية والرفاهية، برنامج المطاعم والطعام، برنامج الموارد الطبيعية، برنامج الهندسة الصناعية، برنامج التدفئة والتهوية والصيانة، برنامج الأطفال والترفيه، وبرنامج الحرف اليدوية. وهذه البرامج تؤهل الطلاب مباشرة لسوق العمل في مجالات مثل البناء، الكهرباء، التمريض المساعد، الطهي، الحلاقة، الميكانيك، الزراعة، والخدمات ألخ.
الفكرة الأساسية أن كل برنامج في السويد ليس مجرد دراسة نظرية، بل مسار مهني واضح يبدأ من المدرسة وينتهي غالبًا بفرصة عمل أو تدريب مهني مباشر.
هيكل التعليم في السويد ولماذا يختلف؟
يبدأ التعليم في السويد بتسع سنوات إلزامية من التعليم الأساسي في المدرسة الابتدائية، يركز فيها على الرياضيات واللغة السويدية واللغة الإنجليزية كمواد أساسية للجميع، بهدف بناء قاعدة معرفية موحدة.
ثم تأتي المرحلة الثانوية غير الإلزامية، التي تمتد من سن 16 إلى 20 سنة، وفيها يختار الطالب أحد البرامج الـ18 بحسب ميوله واحتياجات سوق العمل.
حتى داخل المواد نفسها، يتم تخصيص المحتوى حسب التخصص. فطالب العلوم الطبيعية يدرس رياضيات متقدمة مثل التفاضل والتكامل، بينما يدرس طالب الرعاية الاجتماعية رياضيات تطبيقية بسيطة مرتبطة بالحياة اليومية مثل حساب الجرعات والنسب، ما يعكس ربط التعليم باحتياجات كل مهنة.
نتائج الإصلاح في السويد
بعد هذه الإصلاحات، انخفضت معدلات البطالة في السويد تدريجيًا من نحو 10.6% في منتصف التسعينيات إلى حوالي 5.9% في بداية الألفية الجديدة، مع تحسن واضح في قدرة النظام التعليمي على ربط الخريجين بسوق العمل وتقليل فجوة “الصدمة بعد التخرج”.
لكن في السنوات الأخيرة شهدت سوق العمل السويدية ارتفاعًا في معدلات البطالة (8.6%) مقارنة بتلك المستويات المنخفضة، ويرتبط ذلك بعدة عوامل من بينها التغيرات الديموغرافية وتدفقات الهجرة وما رافقها من تحديات في الاندماج وسوق العمل. وتشير البيانات بشكل عام إلى أن معدلات البطالة تكون أعلى بين المولودين خارج السويد مقارنة بالمولودين داخلها، نتيجة عوامل تتعلق باللغة، والمهارات، والاندماج المهني، واختلاف الخلفيات التعليمية.
الفجوة بين النموذجين
الفارق بين العراق والسويد لا يكمن في الموارد، بل في فلسفة التعليم. ففي العراق، التعليم منفصل عن سوق العمل، والوظيفة تأتي بعد التخرج كخيار مستقل. أما في السويد، فالتعليم جزء من الاقتصاد، والوظيفة تبدأ بالتشكل داخل المدرسة نفسها.
الخلاصة: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الإنتاج
في النهاية، يتضح أن ثقافة الاتكالية على الدولة في العراق ليست ظاهرة فردية، بل نتيجة منظومة متكاملة أعادت إنتاج نفسها عبر التعليم والاقتصاد وسوق العمل. لكن هذه الحلقة ليست قدرًا ثابتًا، ويمكن كسرها عبر ربط التعليم بسوق العمل، وتطوير التعليم المهني، وتقوية القطاع الخاص ودعمه، وتنويع الاقتصاد.
عندها فقط يمكن الانتقال من اقتصاد ينتظر التوظيف الحكومي إلى اقتصاد ينتج فرصه بنفسه، ومن جيل ينتظر الدولة إلى جيل يصنع مستقبله بيده.
انتهى