من ألمانيا أقولها بصراحة الوطن الذي يكره فيه الناس بعضهم لا مستقبل له!

من ألمانيا أقولها بصراحة الوطن الذي يكره فيه الناس بعضهم لا مستقبل له!

بقلم / يحيى هركي ـ كاتب الصحفي ـ المانيا

أخوتي أخواتي أعزائي أحبتي في العراق وفي إقليم كردستان.

في هذه الحياة لا أحد يختار دينه ولا قوميته ولا مذهبه ولا حتى اللغة التي يتحدث بها فنحن نولد في أماكن لم نخترها وبين عائلات لم نقرر الانتماء إليها ثم نكبر لنجد أنفسنا نحاكم الآخرين على أشياء لم يختاروها هم أيضا وكأن الإنسان أصبح مذنبا فقط لأنه مختلف عنا بينما الحقيقة التي يهرب منها الكثيرون هي أن الجميع بشر وأن الله خلق الناس مختلفين لكي يتعارفوا لا لكي يتقاتلوا ويتحولوا إلى أعداء.

ومن خلال تجربتي الطويلة في أوروبا تعلمت أن الشعوب العظيمة لا تُبنى بالتعصب ولا بالكراهية ولا بإلغاء الآخر بل تُبنى حين يشعر كل إنسان أنه محترم مهما كان دينه أو قوميته أو فكره وهنا يعيش الناس من عشرات الأديان والقوميات تحت قانون واحد ويحترمون بعضهم رغم اختلافاتهم لأنهم أدركوا أن قوة المجتمع لا تأتي من التشابه بل من القدرة على التعايش وأن الوطن الحقيقي ليس الذي يجمع الناس المتشابهين فقط بل الذي يمنح الأمان والكرامة حتى للمختلفين.

أما نحن في العرق وكوردستان فما زلنا نستهلك أعمارنا في صراعات الهوية والطائفة والعشيرة والحزب وما زلنا نُقسم الناس إلى هذا كردي وهذا عربي وهذا مسلم وهذا مسيحي وهذا إيزيدي وكأننا نسينا أن الإنسان لا يُقاس بدينه ولا بقوميته بل بأخلاقه وإنسانيته وأفعاله وأن المجتمعات التي تبني نفسها على الاحتقار والعنصرية لا يمكن أن تعرف الاستقرار مهما رفعت من شعارات الوطنية والدين.

ياابناء كوردستان إن العدو الحقيقي ليس المختلف عنكم بل العدو الحقيقي هو الجهل والتعصب والطائفية وخطاب الكراهية فالإنسان الذي تحرضونه اليوم ضد أخيه في الوطن سيكون غدا وقودا للفتنة والانقسام ولن يبقى وطن قوي إذا تحول أبناؤه إلى جماعات متناحرة يأكل بعضها بعضا من الداخل ولقد رأينا جميعا كيف سقطت دول وشعوب بسبب الكراهية وكيف تحولت الأوطان إلى رماد لأن أبناءها لم يتعلموا معنى التسامح والعيش المشترك.

كوردستان ليست ملكا لفئة واحدة وليست حكرا على دين أو قومية أو حزب بل هي وطن لكل من يعيش عليها ويحلم بها ويتألم لأجلها للكردي والعربي والتركماني وللمسلم والمسيحي والإيزيدي ولكل إنسان يريد السلام والكرامة والعدالة ولذلك فإن حماية هذا الوطن لا تكون بالخطابات المتطرفة ولا بزرع الخوف بين الناس بل بزرع الثقة والمحبة والاحترام المتبادل.

أيها الشباب أنتم أمل هذا الوطن فلا تسمحوا لخطابات الكراهية أن تسرق منكم إنسانيتكم ولا تجعلوا مواقع التواصل ومنابر الفتنة تحوّلكم إلى أدوات بيد من يريد تقسيم المجتمع كونوا جيلا يبني الجسور لا الجدران وينشر الوعي لا التعصب ويؤمن أن قوة الإنسان في أخلاقه وعقله لا في صراخه وكراهيته.

وأقول للمثقفين والكتاب والإعلاميين ورجال الدين إن الكلمة أمانة عظيمة فإما أن تكون نورا يوقظ العقول أو نارا تحرق المجتمع فلا تحولوا الاختلاف إلى حرب ولا تجعلوا الطائفية بطولة زائفة علموا الناس أن التسامح قوة وأن احترام الآخر ليس ضعفا بل من أرقى أشكال الحضارة والوعي.

لقد تعلمت من أوروبا أن المجتمعات التي تتصالح مع تنوعها تصبح أكثر استقرارا وازدهارا بينما المجتمعات التي تبني نفسها على الكراهية تبقى غارقة في الخوف والانقسام مهما امتلكت من الثروات والشعارات ولذلك فإن كوردستان اليوم بحاجة إلى ثورة أخلاقية وفكرية حقيقية بحاجة إلى قلوب أنظف وعقول أكثر وعيا وإلى شعب يدرك أن الإنسان الذي يحتقره اليوم بسبب دينه أو قوميته كان يمكن أن يكون هو نفسه لو ولد في ظروف مختلفة.

وفي النهاية لن يبقى سوى الأخلاق ولن ينفع الإنسان عدد شعاراته إذا خسر إنسانيته فالأوطان تُبنى بالمحبة والعدل والوعي وتسقط حين يتحول أبناؤها إلى خصوم بدل أن يكونوا إخوة في وطن واحد يجمعهم الاحترام والرحمة والمصير المشترك.

#كوردستان
#يحيى_هركي
#التسامح
#التعايش
#لا_للكراهية
#لا_للطائفية
#الإنسانية_أولا