العراق و فخ الأحزاب المتناحرة

بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن

​يضعنا البيان الإلهي في سورة مريم أمام مشهد كوني وتاريخي يلخص جوهر الصراع الإنساني حينما تنحرف البوصلة عن الحق وتتشتت الأهواء حيث يقول تبارك وتعالى: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ).سورة مريم الآية ٣٧
هذه الآية الشريفة لا تقف عند حدود التفسير التاريخي لفرق ضلت طريقها، بل تمتد لتكون مرآة كاشفة لواقعنا المرير الذي نعيشه اليوم في العراق فالمشهد السياسي الراهن بات يجسد حرفياً معضلة (اختلاف الأحزاب) التي قدمت مصالحها الضيقة وصراعاتها الوجودية على قدسية الوطن وحقوق المواطن.
​إن ما نمر به اليوم من تشرذم سياسي وتناحر محموم خلف كواليس تقاسم المغانم والمناصب ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر السياسية بل هو تجسيد للفشل المؤسسي الذي نخر جسد الدولة.
لقد تحولت التعددية التي كنا نرجو منها بناء دولة المؤسسات إلى فخ من التحزبات المتصارعة التي جعلت من (الاستحقاق الانتخابي) ذريعة لتثبيت أركان المحسوبية والولاءات الحزبية على حساب الكفاءة والمهنية هذا الصراع المحتدم على هرم السلطة وما يرافقه من (إدارة الفشل) أدى بالضرورة إلى غياب الرؤية الوطنية الجامعة، فأصبح الوطن في نظر هذه القوى مجرد رقعة جغرافية لتقاسم النفوذ، متناسين أن استمرار هذا النهج هو كفر بنعمة الأرض وبحقوق الشعب الذي ينتظر إصلاحاً إدارياً حقيقياً ينهي حقبة الفساد والمحسوبية.
​إن الرابط بين الوعيد القرآني بـ (الويل) وبين واقعنا يتجلى في التبعات الكارثية لهذا التناحر فكل يوم يضيع في أروقة الصراع على المناصب السيادية هو يوم يضاف إلى عمر المعاناة العراقية، حيث تتعطل عجلة التنمية وتغيب العدالة الاجتماعية التي طالما نادينا بها في دراساتنا ومقالاتنا.
إن استعلاء المصالح الحزبية على المصلحة العامة هو النوع الأخطر من (الانتحار) للمجتمع والدولة معاً، وهو ما يجعلنا نحذر دائماً من أن التاريخ -وقبله العدالة الإلهية في يوم المشهد العظيم- لن يرحم من فرّط بسلامة العراق واستقراره لأجل منصب زائل أو نفوذ مؤقت.
​ختاماً، إن الخروج من هذا الفخ يتطلب استحضاراً حقيقياً لروح المسؤولية والعودة إلى الجوهر الإنساني والوطني، فالدولة لا تُبنى بعقلية الأحزاب المتشاكسة بل بروح المؤسسات الضامنة للجميع. إن الفشل الذي نشهده اليوم في الأداء الحكومي والخدمي ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة طبيعية لذاك (الاختلاف المذموم) الذي حذرت منه الآية الشريفة، والذي جعل من خدمة الشعب شعاراً يُرفع في المواسم ويُذبح على قرابين المصالح الحزبية في كل حين.