بقلم: حسين شكران العقيلي
تعد المؤسسة الأمنية الركيزة الأساسية لثبات الدولة واستقرارها وهي بطبيعتها كيان يحتاج إلى التجدد المستمر لمواكبة التحديات المتسارعة ومع ذلك يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة النقد البنّاء: لماذا لا يزال أصحاب التخصصات العليا من حملة الماجستير والدكتوراه في وزارة الداخلية مغيبين عن دوائر صنع القرار؟
إن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب غوصاً في فلسفة الإدارة الأمنية الحالية التي يبدو أنها لا تزال أسيرة لقوالب نمطية تمنح الأولوية للرتبة العسكرية أو الأقدمية الوظيفية على حساب (التكنوقراط) الأمني والأكاديمي مما يؤدي إلى فجوة واضحة بين التخطيط الاستراتيجي الرصين وبين الممارسة الميدانية.
إن الموظف الحاصل على شهادة عليا في دهاليز هذه الوزارة ليس مجرد رقم وظيفي أو طالب علم نال شهادته للوجاهة بل هو طاقة مختزنة تمتلك أدوات البحث والتحليل والقدرة على استشراف الأزمات قبل وقوعها. فحين تجتمع الخبرة الأمنية الميدانية مع المنهجية العلمية في شخص واحد، فإننا نكون أمام (عقل استراتيجي) قادر على صياغة سياسات أمنية قائمة على الدليل والبرهان لا على المحاولة والخطأ.
إن إقصاء هذه العقول عن مراكز القرار يعني بالضرورة هدر ثروة وطنية استثمرت فيها الدولة أموالاً وجهوداً، لتجد نفسها في نهاية المطاف حبيسة مهام إدارية روتينية لا تمت بصلة لتخصصاتها الدقيقة، سواء كانت في القانون الدولي، أو علم النفس الجنائي، أو التخصصات الإنسانية أو الإدارة الاستراتيجية، أو حتى التقنيات الرقمية والذكاء الأمني وووو.
إن التحليل المنطقي لواقع المؤسسات الأمنية الناجحة عالمياً يشير إلى أن قوة القرار تعتمد على (جودة البيانات ومعالجتها)، وهو أمر يتقنه ببراعة الباحث الأكاديمي الذي اعتاد على تفكيك المشكلات المعقدة والوصول إلى نتائج منطقية وفي المقابل، فإن استمرار تهميش هذه الشريحة في وزارة الداخلية يعكس خللاً في الرؤية الاستثمارية للموارد البشرية إذ كيف يمكن لمؤسسة تسعى للارتقاء بتقديم الخدمات الأمنية أن تتجاهل خبراءها الذين يمتلكون قدرة استثنائية على تطوير الهياكل التنظيمية ومكافحة الفساد الإداري بأسلوب علمي رصين؟
إن هذا الغياب ليس مجرد خسارة لأصحاب الشهادات في استحقاقهم المهني، بل هو خسارة للمنظومة الأمنية برمتها التي تفقد بريق التحديث والاحترافية.
علاوة على ذلك، فإن دمج أصحاب الشهادات العليا في صناعة القرار يؤدي إلى خلق حالة من التوازن بين (الضبط العسكري) وبين (المرونة الفكرية) ، وهو ما تحتاجه الوزارة في التعامل مع قضايا معاصرة مثل الجرائم المستحدثة والتهديدات السيبرانية والسلم المجتمعي. إن المطلوب اليوم هو تجاوز النظرة التقليدية التي ترى في الأكاديمي عنصراً دخيلاً على العمل الأمني الميداني، والبدء فوراً بتمكين هذه الكفاءات في وحدات التخطيط، والمستشاريات، ولجان صياغة القوانين واللوائح.
إن بناء مؤسسة أمنية قوية ومستدامة يبدأ من الإيمان بأن (العلم هو الحارس الأول للأمن) ، وأن الرتبة إذا ما اقترنت بالعلم، أنتجت قراراً محصناً من الارتجالية، وقادراً على مواجهة المستقبل برؤية ثاقبة وأدوات معرفية لا تلين.